ليش برام الله في نفط؟

ليش برام الله في نفط؟

بقلم: سامي مروان مبيّض

الجميع يعرف الكاتب الكولومبيّ العالميّ جابرييل جارثيا ماركيز من رواياته الشهيرة، مثل: “مائة عام من العزلة” و”الحبّ فى زمن الكوليرا،” ولكنّ القلّة يعرفون أنّه كان ناقداً سينمائيّاً فذّاً فى بلاده، وكاتباً لسيناريو عدّة أفلام كولومبيّة لم يقترب أى منها من الشهرة التى حقّقتها كتبه.

والجميع يعرف أيضاً الروائى البرازيلى العالمى باولو كويللو من خلال قصصه الشهيرة: من “الخيميائى،” إلى “إحدى عشرة دقيقة”، ولكن القلّة يعرفون أنه إضافة لعمله الأدبى، يجيد كتابة الأغانى. أمّا عن الأديب الكبير أمين معلوف، فقليلون هم الذين يعرفون أن مؤلف “سمرقند” وضع كلمات خمس أغان أوبرالية فى حياته، عُزفت على مسارح باريس وليون وفى مهرجان موزارت الشهير فى فيينا.

الكتّاب عادة وبعد أن ينالوا نصيبهم من الشهرة يسعون نحو التنوّع فى منتجهم الفكرى، والتوسّع فى مجال عملهم خارج النمط التقليديّ الذى عرفوا به طيلة مسيرتهم, فمنهم من ينتقل من الكتابة إلى النشر، وهو أمر طبيعى ومتوقَّع، مثل الأديب الأمريكى مارك توين، والشاعر السورى الكبير نزار قبّانى الذى أسَّس داراً للطباعة والنشر باسمه فى بيروت، وكان قبل أن يتفرّغ لكتابة الشعر قد خدم فى محطّات دبلوماسيّة عدّة موظّفاً فى وزارة الخارجيّة السوريّة، وقد بقى يكتب طيلة سنوات عمله الدبلوماسى، وقد ألهمته المدن التى عمل بها أجمل قصائده، مثل بكين ومدريد وأنقرة.

نزار لم يكن بحاجة إلى المال، فهو ابن صناعى معروف وسليل أسرة دمشقية ميسورة. لذلك، كان بوسعه ترك العمل الوظيفى والتفرغ للشعر. أما نجيب محفوظ، فقد أجبرته ظروف الحياة على البقاء فى عمله الوظيفى حتى التقاعد، وقد عمل سكرتيراً فى وزارة الأوقاف المصريّة، ثمّ مديراً للرقابة فى وزارة الثقافة، وأخيراً رئيس مجلس إدارة مؤسَّسة السينما عام 1966.

كان محفوظ موظفاً حكومياً يتقاضى أجراً شهرياً متواضعاً من الدولة عند نشره رائعة “أولاد حارتنا” على صفحات الأهرام سنة 1959، قبل أن تظهر فى كتاب سنة 1967. وهناك طبعاً تجربة الروائى الأمريكى الكبير ستيفان كينغ فى التمثيل السينمائى، وهو مجال يختلف جذريّاً عن الكتابة التى برع بها، عمل به شغفاً وحبّاً بالتجديد بعد أن حقّقت مؤلّفاته مبيعات خياليّة وصلت إلى 350 مليون كتاب عالمى.

وأخيرا هناك من الأدباء من عمل فى الرسم؛ مثل جبران خليل جبران الذى عُرِف رسّاماً فى أمريكا ولبنان قبل أن يكون أديباً.

وهناك من الأدباء من يتجه نحو العمل السياسى والمناصب الحكومية الرفيعة، مثل الدكتور طه حسين الذى تولّى حقيبة المعارف فى مصر سنة 1950، ومحمّد حسنين هيكل، الذى عُيّن وزيراً للإعلام سنة 1970، والصحفيّ اللبنانيّ غسّان توينى، الذى تقلّد عدّة مناصب وزاريّة فى السبعينيات قبل تعيينه سفيراً فى الأمم المتَّحدة سنة 1977، ولكنّ هؤلاء جميعا سرعان ما عادوا إلى مهنتهم الأمّ، وكثيرا ما ندموا على تجربتهم السياسيّة التى أفقدتهم استقلاليّتهم، ومنعتهم من كتابة ما يدور فى ذهنهم؛ نظرا للمناصب الحسّاسة التى تولّوها. وجميعهم أدركوا أنهم من خلال الكتابة والنشر، حققوا شهرة لنفسهم تفوق سمعة وشهرة ونفوذ الكثير من رؤساء الدول العربية.

أذكر أنّى تحدّثت ذات يوم مع الأستاذ هيكل، وخاطبته بلقب معاليك ظنّاً منّى أنّ هذا اللقب سيرضيه، فردّ بلطف قائلاً: “أنا لا أحبّ هذا اللقب، وهو لا يعنى شيئاً بالنسبة لى، وأفضّل أن تنادينى باسمى.” وقد تكرّر الموقف نفسه قبلها بسنوات مع الأديب السوريّ الراحل الدكتور عبد السلام العجيلى، وهو طبيب ماهر وروائيّ استثنائيّ، تولّى حقيبة الخارجيّة فى بلاده فى مطلع الستينيّات، ولكنّه بقى يُفضّل أن يناديه الجميع باسمه، دون أيّ تفخيم وتعظيم.

يبقى السؤال: هل كانت هذه الانتقالات المهنيّة مفيدة لمسيرة هؤلاء الكبار جميعهم؟ أم أنّها أبعدتهم عن المهنة التى أبدعوا بها واشتهروا بسببها؟ وهل كان للعامل المادّى أى دور فى قرارهم، مثل حال نجيب محفوظ، أم أنه كان بسبب شعورهم بالضيق ضمن الإطار التقليديّ الذى عُرفوا فيه، ورغبتهم فى كسر الصورة النمطية التى رُسِمت لهم فى ذهن قرائهم؟

وطبعا، هناك من عمل على هامش السياسة، ولكنّه فضّل عدم تبوؤ أى منصب رسمى فى حياته؛ مثل الشاعر الفلسطينى محمود درويش الذى انتخب عضواً فى اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينية، ولكنّه استقال منها احتجاجاً على توقيع اتفاقيّة أوسلو سنة 1993.

يُحكى أنّ الرئيس ياسر عرفات عرض علي محمود درويش تسلّم أيّ حقيبة وزاريّة فى السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة عند إنشائها، فحاول درويش الاعتذار بلباقة، ولكنّ أبا عمّار ألحّ عليه قائلا: “اختر أى حقيبة ولن أناقشك بها.”

فردّ درويش بذكاء: “أريد حقيبة النفط.”

استغرب عرفات من هذا الطرح، وقال: “يا محمود، ليش برام الله فى نفط؟”

أجابه درويش: “بس يصير فى نفط، أنا جاهز لتولّيها.”

 

المزيد من المواضيع: