بين العقّاد وطه حسين خصام ووئام

بين العقّاد وطه حسين خصام ووئام

أخي الحبيب الأديب مدني أعذرني عن التأخر في الرد إذ أنني كنت مُتناوشَاً بين هموم شتى وكنت أسارق الوقت لأخلو إلى نفسي وكما تعلم أن الوقت في بلادنا مهدرٌ على الشيوع ينازعك فيه شركاء كثر يقتحمون خلوتك دون استئذان ،  أزجي لك التحايا والثناء العاطر أخي   على هذا تعقيبك الضافي على رأي في  المقارنة التي عقدها  الشيخ محمد الغزالي بين عملاقي الأدب العربي الدكتور طه حسين والأستاذ عباس محمود العقاد وكلاهما يمثل مدرسة أدبية مختلفة عن الآخر . وكلاهما متمردٌ بطبعه ويحب الخوض في المعارك الأدبية والسياسية التي كانت سمة ذلك العصر ، بل كانا يتصيدان خصومهما فيما ينشرون من كتب أو مقالات أو ما يقولونه في في المنابر والندوات  والأجهزة الإعلامية الأخرى . لقد خاض العميد طه حسين غِمار العديد من المعارك الأدبية والسياسية مع معاصريه من كبار الكتاب والسياسيين  ومعظمهم يمثلون المدرسة الأدبية التقليدية ويقفون ضد منهجه الحداثي الغربي ، وهذا هو جوهر الخلاف بين العميد وخصومه. وقد كان حريصًا على التجديد والتنوير فى عالم الأدب والثقافة والفكر على النهج الحداثي الغربي ، لعله تأثر بما كتبه المستشرقون عن الإسلام والأدب العربي .  وقد عُرِفَ العميد  بتمرده على مناهج التعليم في الأزهر الشريف الذي قال إنه “قضى فيه أربعة أعوام كأنها أربعون عاماً”  ، وقد استغرقت هذه المساجلات والمعارك فى مختلف القضايا الفكرية والأدبية فى مصر سنوات طويلة من حياته ، مع معاصريه من أبرز المفكرين، مثل الرافعى والعقاد ومحمد حسين هيكل والمازنى ومحمود محمد شاكر وزكى مبارك وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ، وغيرهم.
لم تكن المعارك بين العقاد وطه حسين طويلة الأمد مثل معاركه مع الرافعي وزكي مبارك . وقد أدى هذا الحراك إلى إثراء الساحة الثقافية في مصر والوطن العربي في النصف الأول من القرن الماضي ، وكانت مصر في حالة مخاض للانتقال من الملكية إلى الجمهزرية .
###
أما بالنسبة للمقارنة بين العقاد وطه حسين فأوافقك الرأي في أن الشيخ محمد الغزالي قد تحامل على الدكتور طه حسين على خلفية خلافه الفكري معه وأهمها ما ورد في كتابه في الأدب الجاهلي وما أدلى به من آراء جريئة وشاذة حول ثوابت العقيدة الإسلامية
أولها : *رأيه القائل بأن القرآن  مِن وضْعِ الذي جاء به لا من وحيٍ ولا تنزيل ولا معجزة. وثانيها: رأيه في النبي صلى الله عليه وسلم ليس رسولاً وأنه رجل سياسي فلا نبوة ولا رسالة. وثالثها: عمله في توهين (تهوين وإضعاف) أمر الأئمة من الصحابة فمَن بعدهم، وقياسهم في الإنسانية وأهوائها وشهواتها على قياس من نفسه وطباعه.
فلهذه الآراء الشاذة صد عنه الشيخ محمد الغزالي (التيار الإسلامي) وعلماء الأزهر وكفروه . من هذا الموقف ، وهنا لا نستطيع أن نطالب الشيخ محمد الغزالي بعدم التحامل على خصمه الفكري طه حسين فهما ضدان لا يلتقيان.
ولكن يمكن القول إن على الشيخ محمد الغزالي حصر  معركته  في موضع الخلاف الفكري والديني بينه بين طه حسين كما ورد في مقالته، ولكنه تورًط أدبياً في هجومه على طه حسين فيما لا يحسن النقد فيه . أنا شخصيا ضد كل ما ورد في كتابه “في الأدب الجاهلي” وما فيه من مِساس بالقرآن والتشكيك في نبوة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وأن القرآن منحول من الشعر الجاهلي   فذاك جوهر العقيدة الإسلامية لا جدال فيه ولا مراء .
فيما عدا ذلك لا ينكر منكرٌ  إبداع طه حسين وتمكنه من ناصية اللغة والبيان ورشاقة أسلوبه وجزالة لغته والمتعة التي جنيناها من كتابه الأيام  ونحن الثانوية العامة كأول عمل عربي أدبي رائع في كتابة السيرة الذاتية  ، فهو بحق رائد هذا الفن بلا منازع .
###
رغم الخلاف الفكري والمذهبي فتوجد أوجه تشابه بين عملاقي الأدب العربي العقاد وطه حسين فهما انداد ولدا في عام ١٨٨٩  وعاشا ظروفا صعبة استطاعا التغلب عليها وبلوغ مكانة مرموقة بين أقرانهما  .
فالعقاد كان رجلا  من أسرة فقيرة من أسوان لم تستطع توفير المال المطلوب له ليواصل تعليمه في القاهرة فانتهى تعليمه في مرحلة الأساس . وقد أكدت تجربة العقاد أن التعليم النظامي ليس هو السلم الوحيد للوصول إلى التميز واعتلاء القمم إذا استثمر الإنسان ما حباه به الله من عزم وشكيمة وعبقرية وذكاء وقاد ، فالعقاد كان نسيجَ وحدهِ ولا يُعرف له معلم أو مدرسة ، بل كان  لا يعترف بالألقاب العلمية  وكان يسخر من بعض حملة الدكتوراة بقوله إن هذه الدرجة هي (دال صفر)  صار العقاد مدرسة أدبية  مستقلة له ندوة أسبوعية يؤمها كبار الأدباء والعلماء وقد أصبح رقماً ورمزاً لا يمكن تجاوزه في مجالات الآداب والفكر والسياسة ويتميز عل طه حسين بأنه شاعر لا يشق له غبار .
###
أما طه حسين فقد كان معجزة عصره كونه أعمى فقد بصره وعمره ولم يتجاوز الرابعة من عمره وذلك بسبب جهل المجتمع آنذاك فبدلا أن يستدعوا له طبيبا أجرى له الحلاق (الشلاق) عملية   أفقدته بصره تماماً . وربما يكون هذا هو سبب ثورته على الجهل ومناهج التعليم  التقليدية التي تنتج نسخاً متطابقة من العلماء لا تتجاوز حد ما تعلمت من مناهج بالية قديمة  وما لُقنت من نصوص جامدة ولم تلحق بركب الحضارة ولم تواكب روح العصر  مما حدا بعميد الأدب تأليف عدد من الكتب في هذا المجال أهمها كتابه  “مستقبل الثقافة في مصر” الذي خلخل كثيراً من المفاهيم الجامدة وأطلق فيه أول صرخة نادى فيها بضرورة أن يبدأ الإصلاح بمناهج التعليم كما خلخل بعض المسلمات حول الهوية المصرية التي لا تقبل المساس والجدل  ، كما نبه  في كتابه “تقليد وتجديد”  الشباب المثقفين العرب، الذين وضعَتْهم مفرداتُ الحضارة المعاصرة في مواجهةٍ حَرِجة من مغبة النظرِ إلى الخلف والتقدُّمِ نحو المجهول   وقد أكد على ضرورة القيامَ بدورٍ فاعل في تنوير العقول.
####
يتفق طه حسين مع العقاد في التمرد على الحكم الملكي فأصدر كتابه  “المعذبون في الأرض” لا أدري إن كان ذلك العنوان مجاراة للعنوان كتاب فكتور هوجو ( البؤساء)  وهو يحتوي على إحدى عشرة قصة تحكي حال الطبقة الفقيرة المسحوقة في مجتمع الباشوات الطبقي في العهد الملكي الخديوي في أربعينيات القرن الماضي وقد وظف العميد أسلوبه القصصي وسرده العبقري في وصف حال تلك الطبقة المسحوقة ويرجع الفضل له في تنوير هؤلاء المعذبين بحقوقهم في الخدمات والتعليم والصحة والثروة كمواطنين أحرار في وطنهم ، وكانت تلك إحدى مقدمات ثورة التغيير التي اندلعت في يوليو ١٩٥٢ وكان هو أول من أطلق عليها اسم “ثورة” وكان مثقفو البلاط يسمونها انقلاباً وكان العميد من أول المؤيدين لها بل ومن مفكريها .
###
في الجانب الآخر هاجم العقاد أحمد شوقي بوصفه شاعرا للبلاط الملكي بينما يحتفظ  طه حسين  لأمير الشعراء بمكانته   من وجهة نظره كرائد للتجديد في الشعر رغم أن له بعض المآخذ على شعره وقد مارس العميد فضيلة النقد في الاحتفال بالذكرى الأولى لرحيل أمير الشعراء قائلا قولته الشهيرة في كلمة التأبين :
“لغيري أن يمدح شوقي بلا حساب، أما أنا فلا أريد أن أمدح، ولا أريد أن أذم، وإنما أريد أن أنقد، وأن أوثر القصد في هذا النقد، وأظن أنّ شوقي يؤثر النقد المنصف على الحمد المسرف، وأظن أني أجل شوقي وأكبره بالنقد أكثر من إجلالي إياه بالتقريظ والثناء، فقد شبع شوقي ثناءً وتقريظًا، وأحسبه لم يشبع نقدًا بعد ، وليس شوقي -فيما أعلم منه- شرهًا إلى حسن الحديث وطيب القالةِ ، وهو لم ينشئ شعره لذلك، وإنما هو شاعر يحب الشعر للشعر.” فكانت كلمته مخالفة لما اعتاده الناس في مواقف التأبين من مدح ورثاء ومخاطبة للعواطف واستدعاءٍ لمشاعر الحزن والأسى . كانت كلمة العميد ورقة علمية رصينة وسياحة في إحدى قصائد شوقي بعنوان “مفاخر الفراعنة” التي كان يناجي فيها الشمس لتحدثه عن مفاخر الفراعنة ويقول في مطلعها:-
قِفي يا أُختَ يوشَعَ خَبِّرينا*
أَحاديثَ القُرونِ العابِرينا*
فساح فيها ساجداً في مواضع السجود فيها وهائماً في سحرها ، وناقداً لبعض ما جاء فيها من عيوب بلاغية وعدم جزالة لغوية ، هكذا كان دأب العميد ناقدا ومفكرا لا يجامل ولا يصانع .وعلى هذا النهج أصدر كتابه “حافظ وشوقي”
من هنا نستشف أنه ليس للعميد خصومة مع الأشخاص ولكن سهام نقده كانت مصوبة دائما على المنتج الأدبي أو الموضوع الفكري ، ولذا كثرت معاركه الأدبية .
####
من ناحية أخرى كان العقاد صريحا في هجومه على شوقي وخاض  معركته الشهيرة مع أمير الشعراء ، فقد رفض العقاد ما كان يكتبه شوقي جملة وتفصيلاً، واعتبر شعره تقليدياً لا جديد فيه ولا روح، على حد رؤيته، ولذلك كوّن مع صديقيه الأديبين عبدالقادر المازني، وعبدالرحمن شكري “جماعة الديوان” وكان ذلك صراعاً بين “مدرسة الديوان” بزعامة العقاد و”مدرسة الإحياء والتجديد” بزعامة  أمير الشعراء .
إلا أن العقاد من جانبه خاض معركته الشهيرة مع طه حسين عند وصفه لأبي العلاء المعري في “رسالة الغفران” بأنه لم يكن ذا حظ عظيم من الخيال ، وقد مس هذا النقد وتراً حساساً في نفس طه حسين الذي لايخفي حبه وشغفه بأبي العلاء لخصائص مشتركة بينهما ولا يحب المتنبي ومن طرائف القول في هذا فقد قال العلامة البروفسور  عبد الله الطيب مازحاً في تفسيره لبيت المتنبي:-
*أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم*
قال لعله يقصد بقوله هذا طه حسين ( الأعمى) والرافعي الذي كان يعاني من الصمم. والمعروف أن الرافعي قد فقد سمعه وهو في العاشرة من عمره ولكن هذه العامة لم تقعده عن تلقي العلم وانتاجه .
####
عوداً لموضوعنا
استمرت المعركة بين العملاقين مبطنة ومعلنة وقد راج قول طه حسين  في لقاء تلفزيوني له مع أنيس منصور إنه لا يفهم شيئا مما كتب العقاد في عبقرياته مشيراً إلى التعقيد في أسلوبه وعدم الوضوح ، ولعلّ هذا ما ظل يردده تلاميذ طه حسين وخصوم العقاد.
لم تستمر المعارك بينهما طويلا وقد تحول الخصام إلى ود ووئامٍ بين العملاقين عندما دافع العقاد عن طه حسين في محنته إزاء معركته الشهيرة التي أشعل فتيلها الأستاذ الأديب مصطفى صادق الرافعي بسبب ما جاء في كتابه “في الأدب الجاهلي”  وانخرط فيها كل خصومه حتى أحالوها إلى مجلس النواب الذي قرر إحالة العميد طه حسين إلى النيابة فاضُطر العميد أن يخرج من صمته عندما حميَ وطيس المعركة وصدرت في حقه قرارات من مجلس النواب ومجلس الوزراء وبعدها فصل من الجامعة ومن أي وظيفة حكومية  وهذا مما أدخل السرور على خصمه اللدود وغريمه الدكتور زكي مبارك الذي فصله طه حسين عندما كان مديراً للجامعة . فأضطر العميد إلى مخاطبة شيخ الأزهر معتذراً ومؤكداً تمسكه بدينه وإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله بقوله
“أؤكد لعزتكم أنّي لم أُرد إهانة الدين ولم أخرج عليه، وما كان لي أن أفعل ذلك وأنا مُسلم أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر…”
فسويت القضية وحفظت
####
وقف العقاد إلى جانب العميد موقفاً نبيلاً ضد الخط السياسي لحزبه “الوفد” مناصراً له مما جعله من أصدقائه المقربين وأعلن انضمامه لحزب الوفد وصار يُهادي العقاد كتبه وأخيراً خلع عليه “أي على العقاد” لقب أمير الشعراء .
تلك صورة من طبيعة المعارك الثقافية في مصر بين عمالقة الأدب
وقد قدمت ورقة في هذا الصدد في مهرجان شوقي وحافظ الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة في مصر في العام ٢٠٠٨  ، كما كتبت ورقة أخرى بعنوان شوقي وحافظ  في ذاكرة الأدب السوداني اننقدت فيها موقف النخب الثقافية المصرية  آنذاك من الثورة المهدية وعلى وجه الخصوص هجاء شوقي للإمام المهدي والخليفة عبد الله التعايشي ومدحه لكتشنر واللورد إلَنْبِي وهجاء حافظ  للسودان وذمه لأهله في طوكر عام ١٨٩٦ وقد كان وقتها ملازماً في جيش كتشنر الذي ارتكب مجزرة كرري . وتناولت فيها الموقف الثوري الإيجابي للنخب الثقافية السودانية  التي تصدرت مشهد الثورة المهدية ، من ثورة عرابي وسنعرض إلى ذلك لاحقاً إن أمد الله في العمر
هذا مع شكري وتقديري
صديق المجتبى

المزيد من المواضيع: