حول اللسان العربي: مفارقات التسيب اللغوي

بقلم:

لم يعد يحفل الكثير من المتحدثين بالعربية اليوم بجزالتها وسلامة مبناها وسحر فحواها، كما كان الحال عليه عند السلف الصالح الذين كانوا موقنين بأنها مصدر إلهام وعزة ووحدة الأمة. فالأجيال الحاضرة لا تأبه كثيرا لشيء من هذا القبيل -إلا من رحم- في ظل كثرة ملهيات الحياة وشواغلها التي تبدأ من حيث تنتهي! إضافة إلى التخبط المخزي للمناهج الدراسية؛ وبالتالي ربكة وهزال التحصيل العلمي في الأساس في كثير من الدول! مع تنامي الهموم المؤرقة، وفقا لتعدد وتعقد متطلبات الحياة الحاضرة بإيقاعها السريع الذي لا يرحم!

وقد تنامت الحاجة إلى التدقيق اللغوي تحدثا وقراءة وكتابة، على الأقل، من قبيل المساهمة في ردم الهوة التعليمية السائدة التي تشغل بال كثير من الآباء والأمهات، وتقض مضجع الساهرين على المصلحة العامة.

 

ومن الطرائف التي أذكرها بمناسبة اتساع الهوة التعليمية يوما بعد آخر بين الشباب، أن فتى عربيا كان يعمل في لندن مع أحد الإخوة في متجره، وكان ضعيفا في لغته العربية على النقيض من صاحب المتجر الذي لا يُخفي ولعه بالتحدث بالفصحى، وبأفانين الإلقاء المؤثر لروائع الشعر، والاستشهاد بذلك عند الاقتضاء، في ظل استياء الشاب الذي لم يعتد على هذا النمط المشحون بالتوتر والغرابة عنده، وبحكم فارق التحصيل والتثقيف الذاتي! ولم ترُق له أبيات من الشعر ألقاها صاحبنا في سياق حديثه، تمجد الشباب الطامحين وتُزري بأولئك القانعين الخاملين، فابتدره الشاب بقوله مُمازِحا: والله أنت “كارسة”! وذلك في محاولة يائسة منه للتخفيف من هذا العناء الثقيل على مسمعه، فقال له صاحبنا: ماذا تقصد بكلمة “كارسة”؟ وكانت فرصة للشاب أن ينال من سعة معرفة مستخدمه بالعربية، قائلا له في دهشة: حسبما نما إلى علمي أنت رجل أديب ولغوي بدليل أنك تظل تحدثنا منذ الصباح الباكر بالفصحى فكيف لا تعرف كلمة كارسة؟

فكان الرد: إنها لم تمر عليه مطلقا في العربية من ذي قبل! وسأله عما يقابلها بالإنجليزية فرد عليه: كلمة “Disaster”، فقال له صاحبنا: إذن أنت تقصد “كارثة” بحرف الثاء وليس بالسين، لقد نطقتها خطأ. فرد عليه الشاب: ألم أقل لك إنك “كارسة”! وهو مصر على نطقها بالسين بعدما جبل على ذلك منذ أن بدأ ينطق الحروف وهو صبي يحبو!

فغياب التوجيه المبكر لا يحفز النشء على بذل مجهود شخصي في تطوير الذات في مناح ضرورية عدة، منها ما يتعلق بتطوير اللسان والذي هو أول منافذ التواصل والتعامل بين الناس، حتى يُشار إليهم بعدها بالبنان تفردا بين الأقران.

يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: “إن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في زيه ونحلته وسائر عوائده وأحواله”

ومن الجدير بالذكر أن تحري الدقة في البيان الساحر ليس عيبا يتوارى المرء منه، بل هو محمدة تضمن له توثبا وتألقا في مقبل الأيام. فالبراعة في الخطابة -مثلا- طلاقةً وبلاغة وتقديما سليما، هي مدخل سريع للمكانة الاجتماعية المرموقة، والشهرة والقيادة، كما دأب عليه أصحاب الهمم السامية في كل مكان وزمان باختلاف مشاربهم، إذ لا ريب “إن من البيان لسحرًا”، كما ورد في الحديث النبوي الشريف.

وليس بمعزِل قصي عن هذا السياق قول الشاعر:

رأيت العزَّ في أدبٍ وعقلٍ 

وفي الجهل المذلَّة والهوانُ

وما حُسْن الرِّجال لهم بحسنٍ

إذا لم يُسعِد الحُسنَ البيانُ 

كفى بالمرء عيبًا أن تراه 

له وجهٌ وليس له لسانُ 

يقول الدكتور ناصر الدين الأسد، أحد المدافعين بجدارة علمية ومنطقية عن لغة الضاد: “إن اللغة العربية هي المقوم الأول من مقومات شخصية الأمة، وذاتها وهويتها، وإننا لا نستطيع أن نسمو إلى فكر شامخ بلغة عامية مبتذلة، وإن الترابط لا بد أن يكون متلازما بين الفكر واللغة، وإن الفكر الأنيق يحتاج بالضرورة إلى تعبير رشيق”.

لغة خالدة

إذن لا بد من إحقاق الحق بالرجوع إلى محاسبة الذات فيما يتصل بالتطلع إلى التقديم الأمثل بلغة الضاد سليمة معافية من كل علة وفِرية، تلك التي أدبر عنها كثير من أبنائها إنكارا وعقوقا، وأقبلوا على استحسان وإجادة لغات قوم آخرين، والتلذذ والفخار بالحديث بها، بيد أنها في الغالب لا تشبههم ولا يشبهونها في شيء، إن جاز التعبير. هذا لا يمكن تفسيره إلا في ضوء حرص البعض منهم على مسايرة التبعية العمياء؛ انبهارا وانسحارا من غير غربلة وتمحيص.

يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: “إن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في زيه ونحلته وسائر عوائده وأحواله”.

ومما يستدعي الدراسة والنظر أن كثيرا من أبنائنا وبناتنا في عديد الدول لا يعرفون أبسط قواعد الإملاء! ومنهم من يكتب اسمه خطأً إلى يومنا هذا! فمثلا “رانية” تُكتب رانيا، و”لينة” تكتب لينا على النمط اللاتيني الأوروبي، إن جاز هذا السبك.

وغير ذلك الكثير مما ليس بالوسع تناوله في هذه العجالة، فهنالك المختصون الذين يبرعون في معرفة الأخطاء اللغوية المريعة التي تجل عن الوصف نتيحة التقصير والتجاهل، الأمر الذي لا يمكن أن يقبله عقل عاقل مجتهد يغار على مصلحة الجميع على المدى البعيد!

وهنالك من يتساءل في حيرة: أين أولو الألباب من ذلك كله؟ إلى متى تلك اللامبالاة بلغتنا وهي تضيع أمام أعيينا لاسيما في النشء الصاعد أمامنا؟!

الأمم سريعة التقدم تخطو خطوات حثيثة نحو ما تصبو إليه بمحافظتها على لغاتها، ويكفي أن العربية استوعبت الحضارة البشرية عدة قرون في الزمان الغابر، وهيمنت على أصقاع العالم القديم بتفردها وعبقريتها، في حين انحسرت اللغات الأخرى وبخاصة العقدية، ولم تقو على الصمود، وغدت لغات تراتيل في دور العبادة فقط، في وقت بقيت فيه العربية متماسكة شماء، رغم الكبوة العابرة التي تعتري أبناءها اليوم.

الصدود عن اللغة العربية بين المتعلمين والمعلمين

فظاهرة الصدود عن اللغة العربية عند بعض القوم، رغم سحر جمالها الذي يأخذ بالألباب، يُّعد ضربا من التوجس خيفةً من الحرج جراء كشف النقاب عن ضعفهم في معرفتها نطقا ونحوا وصرفا واشتقاقا، وبخاصة عند كثير من المتعلمين، ويعد من جهة أخرى -أي الصدود- عند المدركين، تقاعسا خاملا عن اللحاق بركب النابهين ذوي المهارات الفاعلة المنفعلة، والمكانة القيادية ذات القدرات التطويرية التحويلية، التي فطن إليها الذين أوتوا العلم النافع، وليس العلم الضار، بحيث يحسده عليهم المقلدون والمهزومون من الغافلين عندما ركنوا إلى القعود باستباحتهم له علنا، وما أكثرهم بين ظهرانينا.

أولئك الذين ليس بوسعهم التمييز بين ما ينفعهم وما يضرهم ولا يستشرفون الرؤى الصائبة بعيدة المدى في هذا السبيل، وهم -على أقل تقدير- لا يكادون يفقهون قولا في صميم لغتهم الأم، ويتوقون في الوقت نفسه بشغف وانكسار بالغين، إلى إجادة غيرها فيما يعرف في مصطلح الاستعمار بالعقلية المستعبَدة.

المزيد من المواضيع: