الخط الأصفر

الخط الأصفر

ضياءالدين الجمل

عندما تبلغ الأمم قدراً من التحضر والثبات فى بنياتها التحتية واستقراراً فى تعاملاتها الإقتصادية وفى أسواقها مصحوبة بثفة فى التعامل التجارى بين الأطراف المختلفة ويطمئن الإنسان فيها على مستقبله ومستقبل أبنائه تنعكس هذه الطمأنينة غلى سلوك الإنسان ويكتسب قدراً كبيراً من التحضر وإحترام حق الآخرين . دفعنى لهذه المقدمة ما أنا بصدده فى هذا المقال لعقد مقارنة بين السلوك اليومى فى حياة الفرد فى الدول المتقدمة والتى بلغت قدرأ كبيراً من النماء والتطور و حياة الفرد فى الدول النامية والمقارنة فى جزئية بسيطة ولكنها مهمة وتعكس مدى تحضر الإنسان من عدمه وأعنى هنا إحترام حق وخصوصية الآخر, فنجد الناس فى دول العالم الثالث عند ركوب المواصلات العامة من بصات وقطارات ومترو ما أن يستقر الواحد منهم فى كرسيه أو يسند ظهره إلى جدران المركبة حتى يبدأ فى تفرس الوجوه من حوله ثم يتحول إلى التجول فى أبعد من الوجوه فتراه يتفحص بنظراته ما يلبسه الركاب أمامه وما يحملونه فى أيديهم ويكاد يقذف بأنظاره داخل محتويات ما يحمله هؤلاء الناس من حوله وهو بذلك فى تقديره أنه يسلى نفسه ويضيع الوقت حتى يصل إلى وجهته …. وإن كان يجاوره إثنان يتحدثان تجده يلقى بأنه التى تجاورهم حتى تكاد تتوسطهم ويستمع إلى كل لفظة يتبادلونها ويكاد يدخل معهم فى الحوار الدائر بينهم .
ولو دلفنا إلى داخل البنوك مثلاً عند ذهابك لقضاء أى معاملة تجد الصف أمامك وما أن تبلغ النافذه التى ستصرف منها إن كنت تحمل شيكاً على سبيل المثال تجد الذى يليك فى فى الصف يكاد يلتصق وجهه بخدك بينما هو يتابع ما تكتب ولا يتوانى فى أن يوجهك إذا أنت أخطأت فى كتابة عنوانك أو نسيت أن تكتب رقم موبايلك ثم عندما تقلب الشيك لتقدمه للموظف أمامك تجده يقرأ معك إسم المستفيد والمبلغ المكتوب بالحروف والأرقام ويتابع بنظره التوقيع على الشيك وعندما يصرف لك الموظف قيمة الشيك وتحاول معه أن يعطيك من العملة الكبيرة حتى يسهل عليك حملها يتدخل هذا الذى خلفك تماماً ويجادلك فى أهمية المبالغ الكبيرة من عدمها ويكاد أن يصل معك إلى باب السيارة , وهذا المثال يمكنك مشاهدته يومياً أذا قدر لك الدخول إلى أىٍ من البنوك .
وفى مكاتب تحصيل مبالغ الكهرباء مثلاً تجد أيضاً من يليك فى الطابور يكاد أن يملى رقم عدادك للموظف من شدة إلتصاقه بك ويعرف بالطبع القيمة التى ستدفعها وكمية الكهرباء التى ستحصل عليها . وينداح هذا السلوك فى الإهتمام بأشياء الآخرين أكثر من إهتمامنا بأشيائنا ليشمل المرشحين للإنتخابات فنادرأ ما تسمع مرشحاً يقدم برنامجه الإنتخابى ويستطرد فيه ويغوص فى تفاصيله دون أن يتعرض للمرشحين الآخرين بالنقد الذى قد يصل حد التجريح وفى تأكيده غلى إقصاء الآخر دون أن يقدم المبررات التى تجعله يتفوق عليه عبر صناديق الإقتراع فنجد أيضاً أن مرشحينا ينظرون لما فى يد المرشح الآخر أكثر من النظر لما فى أيديهم من برامج وهم بالتالى أشبه بالذى يقف خلفك فى البنك أو الذى يجاورك فى وسيلة المواصلات , والأدهى والأمر انه لايتوانى فى أن ينسحب دون أخذ رأيك كناخب مع أن هذا حقك طالما أنك وقفت خلفه بعد أن إقتنعت ببرنامجه من خلال لقاء سياسى أو برنامج تلفزيونى أو غيره من وسائل إيصال البرامج للناخبين , وبما أنك كنت خلفه فمن الأدب وإحترام عقلية الناخب أنه عندما يريد المرشح الإنسحاب أن يرجع لقواعده ويقنعهم بضرورات إنسحابه فإن لم يفعل ذلك لإارى أن ينفض الناس عن أى حزب قدم مرشحاً ثم قام بسحبه دون الرجوع لقواعده وتبصيرهم بأسباب ما أقدم عليه لأن هذا يندرج تحت الإستخفاف بعقول الناخبين من مؤيدى هذا الحزب أو ذاك فإن كان هذا ما حدث فالدعوة لهم بعدم الإلتفاف حول هذا الحزب وطلاقه بالتلاته .
من أدب الشعوب المتحضرة وقد يكون هذا ما رآه الكثيرين ممن قدر لهم السفر إلى دولٍ متقدمة , تجد الجميع يصطفون للمواصلات وعند وصول المركبة يصعد أولاً من جاء أولاً ثم نجد أن المواطن ما أن يستقر على مقعده حتى يخرج من حقيبته كتاباً أو مجلة يبدأ فى قرآتها ثم لا يرفع بصره إلا لكى يطمئن على قرب وصوله إلى محطته . ويحكى أن اليابانيون يتعلمون اللغة الإنجليزية فى وسائل المواصلات المختلفة وذلك مزيداً من إستثمار الوقت – الذى يقدرونه تماماً – فى ما يفيد الإنسان عوضًا عن البحلقة فى وجوه الركاب من حولهم .
وتحضرنى قصة قديمة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضى من أن أحد المواطنين كان فى طريقه إلى بلدة خارج الخرطوم تستغرق عدة ساعات بالبصات السفرية وأراد أن يقطع الزمن ويستفيد من وقته بالقراءة فأخرج من حقيبته مجلة وعندما فردها وبدأ فى تصفحها فجىء بجاره الذى يجاوره يدخل رأسه فى المجلة ويبدأ فى القراءة معه فما كان منه إلا أدخل المجلة وأخرج أخرى فأذا بالجار لايتوانى من إدخال رأسه والقراءة معه مجدداً فاغتاظ صاحبنا وأدخل المجلة ثم أخرج كتاباً من حقيبته عل جاره يحس ويكف عن دس أنفه فى كل ما يحاول قرآته فإذا بالجار يدخل رأسه ثانية ويبدأ فى القرآة معه سطرأ بسطر فبلغ منه الضيق مبلغاً فأدخل الكتاب وأخرج ورقة وقلماً وبدأ يكتب جواباً بدأه ببسم الله الرحمن الرحيم .. عزيزتى أمل تجدينى فى غاية الشوق لرؤياك … وقد ظن أن صاحبنا سيرعوى ويكف عندما يرى أنه يكتب جواباً خاصاً ولكن خاب ظنه فقد واصل الجار العزيز فى قراءة الجواب الذى بدأ صاحبنا فى كتابته وعندها إحتار صاحبنا فكتب .. عزيزتى أود أن أسترسل فى الكتابة إليك ولكن يجلس بجوارى رجل يقرا كل ما أكتبه لك …. هنا صاح الرجل الذى يجلس بجواره .. ياخى أنا ماقاعد أقرا معاك ولا حاجه ما تفترى على ساكت . هذا مثال بسيط لغياب ثقافة إستثمار الوقت عند الشعوب المتخلفة فى ما ينفعها , فلو كانت هذه الثقافة متوفرة لهذا الجار لإستثمر وقته فى ما يفيده بدلاً عن دس أنفه فى كل ما يفعله جاره .
وهذه العادات تكون مصاحبة للشعوب المتخلفة لأن معظم أفراد هذه الشعوب عندما يصبح عليه الصباح لا يكون لديه هدف معين ليومه ولابرنامج محدد يجب أن ينفذه ولاعمل عليه أن يؤديه , فتبدأ هذه الشعوب يومها بمحاولة معرفة ماذا يفعل الآخرون وماذا حل بفلان وأين يريد أن يذهب علان .
لذا فى الدول المتحضرة هناك خط أصفر تجده عند كل نافذة تقدم من خلالها خدمة للجمهور سواء فى البنوك أو أماكن التحصيل المختلفة كما توجد فى المطارات عند إجراء معاملات السفروعند وصولك للموظف لايتعدى الذى يليك فى الصف الخط الأصفر والذى يفصل بينك وبينه مسافة تكفى لحفظ خصوصيتك وأنت تتعامل مع الموظف الذى أمامك .
وقد يقفز سؤال مشروع إلى أذهاننا هل هذه الشعوب أرقى منا وهل أفرادهم يحسنون الفهم والذوق أكثر من شعوبنا … الإجابة بالطبع ..لا .. فهذه الشعوب محظوظة لأن الله قد حباهم بنعمتين , النعمة الأولى حفنة من العلماء والمفكرين والقادة الذين وضعوا نهضة ورقى شعبهم أمام ناظريهم فسنوا القوانين التى تحفظ للجميع حقوقهم وحقوق الآخرين واخترعوا كل ما من شأته جعل حياة شعوبهم سهلة ومنظمة وساعد إعلامهم كثيراًفى غرس قيم النظام واحترام حقوق وخصوصية الآخرين .. النعمة الثانية أن حباهم الله بنعمة الطاعة فهذه الشعوب تطيع علمائها ومفكريها وقادتها لثقتها الكاملة فى أنهم يبذلون أقصى ما يستطيعون فى سبيل توفير الراحة والرفاهية والكرامة لشعوبهم وأظن أن هذا مربط الفرس . اما شعوبنا فإن الأمريختلف تماماً فهم لايثقون فى أحد لذا لابد لكل فرد أن يتأكد بنفسه من كل مايدور حوله وفى كل ما يدورمن حوله لذا نجد هذا الإلتصاق والبحلقة فى كل ما يتحرك حوله وهكذا تضِِِيع شعوبنا زمناً كان أجدر أن يستمثر فى تنمية قدراتها ورفعة بلادها .
هذه دعوة لإدخال نظام الخط الأصفر لشعوبنا وتكثيف الخطاب الإعلامى لرفع الوعى عند أهلنا الطيبين ورفع قيمة إستثمار الوقت والإشتغال بهمومنا عن أشياء الآخرين والأهم من كل هذا دعوة علمائنا ومفكرينا وقادتنا وضع الوطن وشعوبهم نصب أعينهم وقبل ذواتهم وأن تكون الغاية رفعة وترقية أهلهم حتى يسهل على أفراد الشعب إتباعهم والعمل بما يأتون به مما يرفع من قدرنا ويدخلنا زمرة الشعوب المتحضرة .

وكل الود

ضياءالدين الجمل

المزيد من المواضيع: