البذرة

البذرة
عند الظهيرة ، الشمس تتوسط السماء ، ضجت القرية وصاح الناس ، جابر زراعتو إتحرقت ، علماً بأن جابر إنسان فقير ، لايملك سوى ارضه الصغيره ، التي وضع في أحشائها البذور ، و انتظر الأمطار و موسم الحصاد.
تجمهر الناس في ذهول ، بعضهم التف حول جابر ليخفف عليه من بأسه ، واضعين أيديهم على كتفه ، واخرين يتسائلون ، ترى من الذي فعلها ؟ وما السبب ؟ ودارت الشكوك ، حول عيسى ود حمد.
كان عيسى ود حمد من أصحاب الأموال والأراضي ، عرف بحقده وسوء معاملته للناس ، اكله للمال الحرام ، وكان جابر من عماله المخلصين، ولكنه بسبب كثرة الخلافات ترك له العمل ، و قرر أن يأكل رزقه من ارضه الصغيره.
أثار قرار جابر فرحتاً في نفوس أهل القرية ، ويقال أن بعضهم هنو جابر على ذلك القرار ، و لايدري أحد ، ربما اثارت تلك الفعلة ، غضب عيسى ود حمد ، فأراد ان يعيد جابر إلى العمل لديه ذليلاً.
ولكن لم يدم ذلك المشهد الذي تعلو فيه أصوات الحسرة طويلاً ، إنتفض جابر وأخذ يهرول إلى بيته، ماسحاً بجلبابه الأبيض القصير ، بعض الدموع الخفيفه التي سالت من عينيه ، جرى خلفه ابنه الصغير ، كما يجري الجرذ من اي شي يثير خوفه ، ولم يمكث كثيراً حتى عاد و معه ابنه ، حاملين بذوراً جديده ، ليضعونها على ارضٍ كان يخرج من أحشائها الدخان.
دخل جابر بخطوات ثابته متيقنه إلى منتصف الارض ، يتبعه ابنه الصغير ، وأخذ يرش البذور بصورة عشوائية ، و الارض جافه مسوده ، والسماء صافيه.
تعجب الناس من هذه الفعلة ! فلا يمكن أن توضع البذور على أرضٍ بتلك الحالة ، بالاضافة إلى ان موسم الأمطار قد مضى ، فقالو ان الرجل قد فقد عقله ، فتعالت أصوات الحسرة ، وتقليب الكفوف ، و قول لاحول ولا قوة الا بالله .. مسكين الزول ده فقد عقلو ياناس ، واخذو ينادونه، يا جابر .. يا جابر .. تعال ازول.
وفجأة صمت من كان ينادي ، ومن كان يتحسر ، جحظت العيون ، وامتدت الكفوف لكي تتاكد .. السماء قد بدأت تقطر ماء ، انفخفضت اصواتهم ، وتحولت الى تهامس ، دي مطرة ،  مطره ، صاح الرعد بصوته الجبار و عم الذهول ، عيون بعضهم جاحظه ، يرددون باصواتٍ متهدجه ، سبحان الله.
إنهمر المطر و حجبت الشمس ، وصاح الرعد في سماء كانت صافيه ، وهم واقفون لا يتحركون من مكانهم ، كأنهم أشجار جافه ، فارقتها الحياة منذ زمن بعيد.
سالت قطرات الماء على اذانهم وقالت ، إن الله يعلم مكائد البشر ، يرزق بلا سبب ، ثم قال الرعد بصوته العظيم ، إن الانسان حر الارادة ، ولكن إرادة الله فوق كل شئ ، و الله مع الحق مهما إختلفت الظروف وصعبت.
وما لبثو الا ساعة ، حتى اخضرت الأرض ، وتوقف المطر ، وعادت زراعة جابر مخضره كما كانت ، خرج جابر من الارض إليهم ، يركض ثم يقفز متهللاً وعلى لسانه الحمدلله ، لم يلحق به ابنه الى المنزل هذة المرة ، ذلك لأنه انشغل باللعب مع اقرانه في الماء.
سقطت إحدى البذور من ثوب جابر وهو يقفز على بقعة من الارض ، فيها القليل من الماء ، فانحنى أحدهم وحملها ثم نظر اليها في تعجب ، كانت البذرة مبتسمة ،  وقالت ، ثقو في الله دائماً واعلمو ، أن الخير آتٍ .. ولو بعد حين.
محمد فاروق

المزيد من المواضيع: