داءان لن يزولا

د.احمد خالد توفيق

إن ثقافة النفاق عتيقة جدًا فى بلادنا.. ومهما دارت الأيام فإن مفهوم الشاعر الذى يدخل على الخليفة فيمدحه، ويخرج حاملاً زكيبة مال، هو مفهوم متأصل فينا ويصعب الخلاص منه..

لا أزعم أننى درست الأدب العالمى، لكن أزعم أنك ستتعب كثيرًا حتى تجد بيتًا من الشعر فى أى لغة يماثل ما قاله ابن هانى الأندلسى فى مدح الخليفة الفاطمى المعز لدين الله :
ماشئت لا ماشاءت الأقدار …. فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنما أنت النبى محمد ….. وكأنما أنصارك الانصار !!

إن أى أمة يُقال فيها كلام كهذا هى أمة مقضى عليها بالفناء، فلا غرابة أن يقال إن هذا الشعر كان نذيرًا بفناء دولة العرب فى الأندلس.

المزايدة تتكرر فى قصص التراث بلا انقطاع .. ها هو ذا (أبو تمام) ينشد قصيدته السينية أمام الأمير (أحمد بن المعتصم).. فيقول الشاعر فى نفاق صادق حار واصفًا الأمير:
إقدام عمرو فى سماحة حاتم ….. فى حلم أحنف فى ذكاء إياس
هنا يتدخل رجل بلغت به (سلطنة) النفاق درجة أعلى.. هذا الرجل هو أبو يوسف يعقوب الكندى قائلاً:
ـ«الأمير فوق من ذكرت !»

يعنى كل هذا النفاق غير كاف.. الأمير أعظم من هذا.. لابد من المزايدة فقد بدأ (مولد) النفاق.. وعلى الفور يستغل (أبو تمام) موهبته ليرتجل شعرًا لم يكن مكتوبًا:
لا تنكروا ضربى له من دونه … مثلا شرودا فى الندى والباس
فاللّه قد ضرب الأقل لنــــوره … مثـــــلا من المشكاة والنبراس

هذه القصة لا ترد فى المراجع دليلاً على عبقرية النفاق، بل على براعة الشاعر وحسن تصرفه

«ذات مرة – قبل أن يدخل معترك السياسة بهذا الوضوح – زار السيد (جمال مبارك) مدرسة خاصة للفتيات فى القاهرة، فنشرت التلميذات فى إحدى المجلات رسالة مناشدة إلى الرئيس مبارك تقول: «نحن فى بلد ديمقراطى ومن حقنا التعبير عما يجول بخاطرنا، وأنت علمتنا الحرية وعدم الخوف.. لذا نطالب الرئيس مبارك بأن يكلف السيد (جمال) بمنصب سياسى مهم!».. هذا نوع من النفاق عجيب، على غرار: «اتركنى أقول شهادتى التى سأسأل عنها أمام الله.. أنت أعظم وأروع من رأيت!».. هم مستعدون فى أى بلد عربى كى يهتفوا (الأمير فوق من ذكرت) فى أى لحظة.. ولسوف يظهر لهم من يزيد بيتين من الشعر لإرضاء الحاكم..»

باختصار.. يبدو أن البلهارسيا والموالسة داءان متوطنان لن يزولا عن مصر أبدًا

 

المزيد من المواضيع: