في راكوبة حجة كلتوم

في راكوبة حجة كلتوم

– محمد فاروق
*  الرابعة عصراً ، بعد إنتهاء دوام العمل ، تحرك ثلاثتهم بخطوات بطيئة ، قاصدين راكوبة الحاجة كلتوم ، ليحتسو قليلا من الشاي، كانت الشمس قد خفضت من لهيبها ، واخذت طريقها الى بقة اخرى من الأرض.
جلسو داخل الراكوبة البسيطة ، التي تطل على طريق ترابي غير مستوٍ ، أقدامهم يملؤها التراب ، ذلك لإحتكاكها بالارض ، مما جعل الغبار يأخذ مكانه على أحذيتهم ، قابلتهم الحاجة كلتوم بابتسامتها الحنونه الصادقة ، ووجهها الترابي الكادح ، رحبت بهم وقدمت لهم الماء.
– قالت ولاء: ثلاثة شاي يا حجة كلتوم ..
– ردت الحاجة كلتوم: حاضر بتي.
اضاف ناجي و ميساء أنهم يريدون بعضاً من القرنفل على الشاي ، فأومئت إليهم الحاجة كلتوم برسأها موافقه.
اخذو بعد ذلك يتبادلون ذلك الحديث الذي يذهب عناء يوم متعب ، ليأخذو منه قليلاً من الضحك لتعديل المزاج ، الذى عكر صفوه عناء يوم العمل.
في أثناء الحديث ، تغيرت ملامح ولاء ، واخذت تضع جل تركيزها في ذالك الشاب الغريب الذي اقترب منهم ، و جر كرسياً و جلس معهم ثم قال: اعجبني حديثكم فأسمحو لي بالمشاركة ، واحد قهوة سادة ياحجه كلتوم.
الحاجة كلتوم :حاضر ولدي.
أمسك لجام النقاش ناجي وقال ، تتحدون عن الحب والوفاء وانتم النساء لاتعرفونه.
ردت ولاء وميساء بطريقة ضاحكه ، كيف ؟
– حسناً اليكم هذا المثال : الان إن قلنا أنني تزوجت من إنسانه أحببتها لسنوات ، ثم افرغت ما جمعته في جيبي خلال سنوات عمري لأتزوجها ، ليجمعنا سقف واحد ، إن سقطت أنا و طفلها الذي انجبته مني في البحر ، وكلانا كان معرض للغرق ، و كان لتلك الإنسانه الخيار في من ستنقذه من الموت ، انا ام طفلها الذي انجبته مني ،  ستختار ان تنقذ ابنها وتتركني للموت.
في حين انه كان بأمكانها أن تنقذني انا ، أن تنقذ الحب ، وتضحيات سنوات طويلة ، وبعد إنقاذها لي ، يمكنها ان تنجب طفلاً اخر مني ايضاً ، فالطفل يعوض ولكن الحب لا.
ضحكت ميساء و ولاء وقالو نعم ، ابناؤنا اهم.
في ذلك الحين ابتسم الشاب معهم ايضاً ، وقال دعني يا عزيزي اطرح عليك سؤالاً ،  قال ناجي ، تفضل.
– ترى لماذا تفعل الام ذلك ؟
قال ناجي ، لا ادري هكذا هي.
– بل هي الجينات ياعزيزي ، جينات البقاء.
نظر ثلاثتهم الى بعضهم ، ثم قال ناجي ، لم افهم قصدك يا حبيب ، ارجو التوضيح.
– حسناً ، سأشرح لك كيف يحدث ذلك.
إن حب الأم لأبنائها يختلف عن حبها لأي إنسان اخر ، فهذة غريزة البقاء ، ذلك الطفل الذي قارنت نفسك به يحمل للأم جيناتها ، فحياته تمثل حياتها وامتداداً لها ،   الا ترى ان الجدة تحب أحفادها أكثر من أولادها، ألم تسمع تلك العبارة التي تقول ، ولد الولد أعز من الولد.
هزت ولاء رئسها مؤيده ، وقال ناجي صحيح أكمل ، بينما اخذت مسياء تزيد من تركيزها في الحديث.
أخذ رشفة من القوة ثم أعادها في مكانها وقال ، أنت تحمل نصف جينات امك ، وأحفادها يحملون ربع جيناتها ، وفي عقلها اللاواعي ، الذي سيعيش طويلاً هو حفيدها ، وهو بالتالي سيكون امتداداً لها لوقت اطول ، لذلك هي تحبه اكثر من ابنها ، هذا هو عقلنا اللاواعي ياصديقي ، يتحكم بنا غريزياً دون ان ندري.
قال ناجي: كلام عجيب ، ووضعت ولاء يدها على خدها لتتمكن من التركيز في ذلك الامر.
الان علمت لماذا تحبك امك هكذا ، اليك سؤالي الثاني،
هل حبك لأمك مثل حب امك لك ؟
ردت هذة المرة ميساء نافيه ، لاطبعاً.
– بالتاكيد ، ذلك لأنك تمثل امتداداً لأمك ، اما امك ليست امتداداً لك .. إن حبك لأمك هو حبك لإنسان أعطاك كل شي ، و على إستعداد ان يعطيك كل شئ ، الأمر يختلف قليلاً هنا.
لا تقارن حب زوجتك لك ، بحبها لأبنائها يا عزيزي ، و إلا ستكون انت الخاسر دائماً.
أخذ الرشفة الاخيرة من كوب القهوة ، و توجه إلى الحاجة كلتوم ، دفع الحساب كاملاً ، ثم قال ، تركتكم بعافية ، تتبعته نظراتهم المتعجبه ، اخذ طريقه مشياً ، حتى اختفى في أحد الطرق الترابية الضيقه.
في مساء ذلك اليوم ، تلقيت مكالمة من ولاء ، ايقظتني من نومه ، كانت عميقه ، أخذت تحكي لي ما حدث معهم ، و بعد ان أكملت ، وجدت نفسي أتفق مع ذلك الشاب تماماً ، كأنني هو ، لا أدري ، ربما كان ذلك الشاب هو أنا فعلاً.

– محمد فاروق

المزيد من المواضيع: