الطرق الصوفية وأدوارها التاريخية في نشر الإسلام في السودان وإسهاماتها السياسية والمجتمعية.

تعتبر الطرق الصوفية – وبلا منازع – صاحبة اليد الطولى في نشر الإسلام في أقاصي السودان ومجاهل أفريقيا. حيث تحققت لها هذه الريادة عبر جهود متراكمة وسعي متصل ومثابرة لا تعرف الكلل من مجموعة من الطيبين الخيرين من شيوخ وأقطاب هذه الطرق عبر الحقب المتعاقبة.
لم تكن مهمتهم سهلة في كل النجاحات التي حققوها فميادين دعوتهم كانت مسرحا للمسيحية الراسخة كما كان الحال في جهات عديدة من السودان.
أما مجاهل افريقيا فقد كان الواقع فيها معقدا جدا لسيطرة الديانات والموروثات الدينية العقدية التقليدية المتجذرة ومن هنا جاءت صعوبة المهمة التي ما خلت من مخاطر وابتلاءات.
ولعل من نافلة القول الإشارة إلى الحصافة والذكاء الذين كانا قاسما مشتركا وطابعا توافر لدى شيوخ هذه الطرق في مهامهم الدعوية المعقدة التي صاحبتها وجوه عديدة لتعقيدات ومصاعب تغلبوا عليها وجعلوا الدعوة تنساب في لطف ويسر وتعايش لطيف مع ما اعتادته هذه المجتمعات من احتفاء بالرقص وقرع الطبول وممارسات شعبية تقليدية متوارثة استطاع هؤلاء الشيوخ ان يجيروها لصالح الدين الجديد بعد تشذيبها وتحريرها من كل ما يتعارض مع احكام الإسلام.
الطريقة القادرية (نسبة للشيخ عبد القادر الجيلاني) وجدت حظا من الانتشار في ارجاء واسعة من اواسط وشمالي السودان.
وتجدر الإشارة إلى أن ضاحية أم ضو بان استضافت واحدا من مراكز الإشعاع الديني قبل ما يزيد عن مائة وخمسين عاما من لدن الشيخ العبيد عليه شآبيب الرحمة وانتهاء بالشيخ الطيب الجد حفظه الله.. وقد. طلت ام ضو بان قبلة لطالبي العلم الشرعي وعلوم القرءان من كل بقاع السودان بل ومن بعض الدول المجاورة. ويقوم القائمون على أمر هذه القلعة الدينية العلمية العتيدة بتوفير كل مطلوبات و احتياجات طالبي العلم.
وهناك الطريقة السمانية من لدن الشيخ أحمد الطيب البشير والشيخ أبو صالح والشيخ قريب الله والشيخ محمد الفاتح والشيخ البروفيسور حسن الفاتح قريب الله رحمهم الله وطيب ثراهم.
ويعتبر الشيخ البروفيسور حسن الفاتح قريب الله رجل علم ودين ومجتمع وثقافة عمل في عدد من الجامعات كما تولى مهاما ووظائف مرموقة في الإدارة الأكاديمية وله عدد من المؤلفات القيمة وكذا برامج إذاعية مرجعية ذات صلة بتاريخ السودان من لدن هجرات الصحابة لشرق افريقيا وارض النيل في سني الإسلام الاولى.
وهناك الطريقة الشاذلية من لدن الشيخ حمد ابو دنانة الذي حط رحاله في نواحي بربر وساهم أبناؤه واحفاده في نشر الدعوة ونشر تعاليم الإسلام في بقاع عديدة من اواسط وشمال السودان.
هناك أيضا الطريقة التيجانية التي ساهمت بنصيب وافر في نشر الإسلام في غرب افريقيا ولها كذلك دور معتبر في نشر الدعوة في كردفان ودارفور وأجزاء من شمال السودان عبر دخول بعض أقطابها من مصر عبر شمال السودان.
ونشير للطريقة الإسماعيلية لمنشئها الشيخ إسماعيل الولي وهي طريقة صوفية سودانية خالصة استضافتها ربوع شمال كردفان.
وتجدر الإشارة إلى أن الطريقة الختمية لمنشئها الشيخ محمد عثمان الختم التي انتشرت انتشارا واسعا في شمال وشرق ووسط السودان شكلت السند الديني للحزب الاتحادي في إشارة للادوار السياسية التي يمكن ان تسهم فيها هذه المراكز الدينية العلمية الاجتماعية التي ارتكزت على أقطابها من شيوخ الطرق الصوفية.
وذات الامر ينطبق على طائفة الأنصار التي اتخذت من تعاليم الإمام المهدي هاديا ومرشدا واصبحت الطائفه مهيئة للقيام بنشاط سياسي تحت مظلة حزب الأمة الذي شكل مع رصيفه الحزب الاتحادي أساسا للحركة السياسية السودانية الحديثة.
من نافلة القول كذلك أن الكيانات الدينية العلمية التي أنشأها شيوخ الطرق الصوفية كانت تتداخل في الحياة السياسية لتؤثر وتساهم في صناعة الأحداث انطلاقا من مكانتها الاجتماعية وثقلها الشعبي مما جعلها لاعبا أساسيا في معادلات السياسة تسهم بلطف وحكمة في صناعة الأحداث وظلت تسعى عبر كل حركاتها وسكناتها لأن تكون كلمة الله تعالى هي العليا كما ظلت من خلال تفاعلها مع الشأن السياسي حريصة على مصالح البلاد والعباد. ولا يمكن إغفال مشاركة هذه الصروح الدينية والمراكز العلمية الصوفية في منافحة الاستعمار في مراحله المختلفة.
خلاصة القول، ان الطرق الصوفية شكلت العامل الأهم لانتشار الإسلام في السودان وأفريقيا عبر سماحتها ومنهجها اللطيف في انسياب الدعوة دون صدام مع تفاصيل الحياة الدينية والاجتماعية المعقدة حينئذ.
ولنا عودة بحول الله.

**مهندس مستشار بروفيسور /
أمين بابكر عبد النبي مصطفى .
جامعة النيلين كلية الهندسة.
عميد الكلية الأردنية السودانية للعلوم والتكنولوجيا.
12 أغسطس 2022م.

المزيد من المواضيع: