أنشودة الجن رؤية مغايرة

أنشودة الجن رؤية مغايرة

  • بقلم صديق المجتبى
  • إن ما كتبه الدكتور عبد اللطيف سعيد عن رؤيته لقصيدة  “أنشودة الجن”  ليس شرحاً للنص أو نقداً  أو تفسيراً لقصيدة الشاعر الكبير التجاني يوسف بشير  ولكن ما قام به يقع في باب التأويل
    HERMENEUTIC
    والتأويل دائما لا يعتمد على ظاهر النص أو بنيته السطحية ولا العميقة  التي يجب أن يصل إليها الناقد بتفكيك النص وإحالته إلى رموز وإشارات ودلالات سياقية يهتدي بها الناقد إلى النفاذ إلى جوهر النص الشعري في معانيه المستلهمة من التراث أو  البيئة الثقافية  أوالمناخ الذي كتبت فيه القصيدة .
    لكل مشهد شعري سياق خاص لا يتجاوز المسرح الذي وضعه فيه الشاعر برمزه ولمحه وصوره الجمالية البديعة التي يحاول من خلالها  أن ينقل بها  رؤيته الشعرية  ويبث  رسالته الجمالية وشحنته العاطفية إلى المتلقي ، واقتناص المعاني التي تشرد بعيدا عن الحقل الدلالي الذي أنشأه الشاعر ليكون مجالاً تعمل فيه كل الدوال والرموز والإيحاءات والصور التي صنعها الشاعر أو استجلبها من بيئته أو المحيط الذي أوحى إليه القصيدة وقدح في نفسه زناد الكتابة  .
    إذا تجاوزنا هذه المعطيات وذهبنا بتأويل  النص بعيداً عنها فإن ما يقدمه الناقد يصبح نصاً جديداً مستلهما من معاني باطنية لا علاقة لها بنص الشاعر  ونكون بذلك قد حمّلنا النص رسالة مختلفة عن تلك التي أراد الشاعر أن ينقلها إلينا.
    خذ مثلاً بعض الإحالات التي افترضها الدكتور عبد اللطيف سعيد ولا تنسجم مع مناخ القصيدة
    ومنها افتراضه أن التجاني الذي خاطب طرير الشباب الذي خصه بهذه الصفة يرمز إلى نداء سيدنا إبراهيم للحج كما سنرى لاحقا ، وكلمة طرير التي تعني  في كل المعاجم الشاب ذو الرواء أو الهيئة الحسنة وفي مرحلة معينة من العمر إذ تعني أيضاً الشاب الذي طَرَّ وطلع شاربه وتطلق أيضاً على الشابة الناعمة الحسنة الهيئة وقد ظهر حسنها وجمالها ورقتها وطرت ألحاظها عشاقها أي كأنها سيوف محددة قاطعة ، قال الشاعر بن الساعاتي أحد شعراء العصر الأيوبي:-
    كَلَفي بمخطفة القوامِ طريرةِ الألحاظ هيفاءِ المعاطفِ رودها*
    خوطيّة الحركات جاذبها الصِّبا*
    جَذبَ الصَّبَا ما لان من أملودها*
    أي شبه ألحاظها بالسيوف القاطعة المحددة الشفرات
    أما طرير الشباب فهو الشاب أو الشابة حسن/ة الهيئة.
    وهذا هو  المعني الذي قصده التجاني في وصف المغني في ذلك الحفل  البهيج الذي حضره الشاعر برفقة بعض أقرانه كما ذكر لي ذات مرة  الأستاذ خالد أبو الروس صديق التجاني وزميله في الخلوة والمعهد العلمي ورفيقه في الصبا ، وكذلك حكى الشاعر جوزيف لطيف صبَّاغ عن حضورالتجاني لذلك الحفل وهو بعدُ شابٌ يافع في بواكير الصبا  وربما يكون هو الذي دعاهم إلى حضور ذلك الحفل ربما كتبت هذه القصيدة في نهاية العقد الثاني من عمر الشاعر أو قبل ذلك  لأنه أثبتها ضمن قصائد ديوانه الجزء الأول إشراقة الذي قدمه للموافقة على نشره في يوم ١٥/ديسمبر/ ١٩٣٤ حسب توقيع قلم المخابرات البريطانية إدوارد عطية على الصفحة الأخيرة من المخطوطة الأصلية لديوان التجاني بخط يده، إشراقة الجزء الأول أي أن عمر التجاني كان وقتها أثنين وعشرين عاماً  وربما كتبها قبل ذلك التاريخ  بعامين أو ثلاث ولم يتجاوز عمره الثامنة عشر أو العشرين عاماً .
    هذا “الطرير” بكل الصفات التي أوردها التجاني في أنشودة الجن يستحيل تشبيه صيحته في الربى والوهاد بنداء إبراهيم للحج لعدم وجود القرينة أو الدلالة التي تشير إلى ذلك . ربما قصد  الشاعر من قوله
    صح في الربا والوهاد
    واسترقص  البيدا
    تعظيم  المساحة  التي تمدد فيها اللحن في مشاعره وأندياحه ليعم الربى الوهاد  بقدرته  أن يتجاوز الجبال الشم والوهاد ليصل إلى كل كائن في الأرض لما له خواص ميتافيزيقية رمز لها الشاعر بعنوان القصيدة ” أنشودة الجن” . أو ربما يمكن أالقول إن التجاني تأثر بالقرآن في تشبيه صوت المغني  بمزامير داؤود الذي تتجاوب معها الجبال والطيور وذلك في قوله تعالى  (ولقد آتينا داؤود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطيرَ وألنا له الحديد) هذا مقبول لوجود القرينة بين صوت المغني الجميل ومزمار داؤود وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن صوت أبي موسى الأشعري وهو يرتل القرآن (لقد أوتي مزماراً من مزامير داؤود)  ومما يعزز هذا التفسير  وجود  الكثير من الظلال القرآنية في شعر التجاني كونه حافظاً لكتاب الله الذي يمثل مصدرا مهماً للغته وتصويره الفني.
    أما قوله يا حلو يا مستطاب
    أنشودة   الجن
    فيه استملاح للمغني وجماله  أما المقصود ب “أنشودة الجن”  أن هذه الأنشودة تنتمي لعالم لا يستطيع بشر أن يأتي بمثلها ،وهذا تعبير سوداني بحت كقولهم “اشتغلنا شغل الجن” أي أنهم عملوا فوق وسع البشر . وكانت العرب تنسب الشعر إلى وادي عبقر وهو وادي الجن  في بلاد اليمن وكان لكل شاعر شيطانه . قال شيخ الشعراء عبد الله الشيخ البشير في قصيدته  “البحث عن بيت شعر” إن جواده الذي امتطى صهوته  في تلك الرحلة الأسطورية   مرّ بعبقر ليلاً علّه يجد عندهم  بيت الشعر  المفقود لكن كلابهم هرّت فيهم ومنعتهم من الدخول فقال :-
    ومرَّ بعبقر ليلاً فهرًت*
    كلاب الجن عرفيت وشيت*
    فأنشودة الجن تنتمي إلى ذلك الوادي الذي تسكنه الجن . هذا المعنى مقبول وراسخ في تراثنا وثقافتنا
    أما قوله:-
    واقطف لي الأعناب
    واملأ.   بها.  دني*
    من عبقريِّ الرباب*
    أو   حرمَ.     الفن*
    في هذين البيتين استخدم الشاعر الاستعارة  المكنية بحذف المشبه به وترك لوازمه الدالة على ذاته
    فشبه الرباب تكنيةً ببستان العنب لوجود فعل الأمر  “أقطف” . وجعل الفن  شيئاً مقدساً مصوناً ورمز إلى ذلك بقوله “من حرم الفن” كناية عن السمو والرفعة وشبه اللحن بالخمر وكنى لهذه الصفة بالعصر ، وعن السُّكر بإثبات كلمة “دنِّي” ، وكل ذلك يشير إلى حالة النشوة العظيمة  التي أصابت الشاعر من هذه الأنشودة الأسطورية الخارقة التي أصابته بحالة من السكر والنشوة  والجنون.
    أما كلمة “عبقري”  فقرآنية المصدر في وصف تمام حسن الشيء وفرادته وكماله قال تعالى في سورة الرحمن يصف مخادع أهل الجنة  والحور  العين بقوله تعالى  ( متكئين على رفرف خضر وعبقريٍّ حسان) صدق الله العظيم
    قال ابن الأنباري : إن الأصل فيه أن عبقر قرية يسكنها الجن ينسب إليها كلُّ فائقٍ جليل .
    وقال الخليل : كل جليل نافس  “أي نفيس” فاضل وفاخر من الرجال والنساء وغيرهم عند العرب عبقري .
    وكل إنسان جليل في قومه يوصف بأنه عبقري وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه :
    : (فلم أر عبقريا من الناس يفري فِرْيهً) وقد سئل أبو عمر بن العلاء  عن قوله صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه فقال : يقصد  رئيس القوم وجليلهم .
    أنظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي تفسير سورة الرحمن.
    إذاً عبقري  تعني النفيس الجليل الحسن ولو كان لها علاقة بالجن لما وصف بها الله متكأ أهل الجنة لأن كل ما في الجنة من صنع الله وإبداعه ، والرفرف هو الوسادة أو الطنافس النفيسة الفائقة الجمال .
    إن اختيار كلمة عبقري القرآنية في وصف الرباب بالعبقري يدل على فصاحة الشاعر وتعمقه في فهم معاني القرآن الكريم وتفسيره . فالرباب العبقري هو النفيس الذي تصدر منه هذه الموسيقا الساحرة واللحون الآسرة كأنه يشير إلى أن كلَّ شيءٍ في ذلك المشهد فريد ونفيس وجميل وجليل ، فيا لروعة المشهد ويا لجمال الوصف . ولذلك  طلب الشاعر من الكنار أن ينقل روعة ذلك المشهد إلى الأعراب ،  وهنا تقفز من ثنايا هذا النص قصة الهدهد الذي حمل رسالة سيدنا سليمان للملكة بلقيس . والكنار طائر مناسب لنقل اللحون لأنه موسيقار  والموسيقى الساحرة التي انتشى بها الشاعر حدَ السُكر . لا يمكن أن ينقلها إلا الكنار  ، أما الهدهد فمناسب لحمل رسالة سيدنا سليمان إلى بلقيس لأنه هو الذي شهد على كفرهم وسجودهم للشمس  وجمال  عرش ملكتهم بلقيس  وبلّغ سيدنا سليمان بذلك فهو ضابط مخابرات في جيش سيدنا سليمان .
    ففي هذا السياق لا علاقة للكنار بطيور الجنة الخضر ذوات الحواصل التي تحمل أرواح الشهداء والصالحين لا نعدام القرينة فهو مختص بالغناء والموسيقى حسب السياق الدلالي فهو خير رسول لتبليغ تلك الرسالة إلى الأعراب في تلك القرون السحيقة .
    أما قوله :-
    صحْ في الربا والوهاد*
    واسترقص      البيدا*
    واسكب على كل ناد*
    ما يسحرُ      الغيدا*
    لا تزال ذاكرة النص الشعري تحتفظ بوصف اللحن بالخمر المسكوب في دن الشاعر ويقصد نفسه الظمآى إليه وكنى عن ذلك بفعل الأمر (واسكب) ولا زالت صفة السحر تلازم ذلك اللحن لقوله ما “يسحر الغيدا” وهنا حدد الشاعر بوضوح شديدٍ الجهة المقصودة بهذه الرسالة ، وهم الغيد الحسان  وليس من  ناداهم سيدنا إبراهيم مؤذنا في الناس  بالحج ، فتأويل المعنى هنا لا علاقة له بالنص ولا توجد رموز أو دوال تقرِّبنا إلى ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور  في تأويله أو تفسيره الباطني للنص .
    أما قوله في تأويل قول الشاعر :-
    وامسح على ذرياب*
    واطمس على معبد*
    لا توجد قرينة دالة على أن ذرياب ومعبد يرمزان إلى الرسالات السابقة أو الأنبياء الذين ختم رسالاتهم الإسلام ، وهذا يعني أن دين الإسلام نسخ كل الرسالات والكتب السماوية السابقة التي كانت شرعة ومنهاجاً لكلّ أمة ، وأبقى على أصل الدين وهو الإسلام .لأن “الدين عند الله الإسلام قال تعالى :
    ﴿وَمَن یَبۡتَغِ غَیۡرَ ٱلۡإِسۡلَـٰمِ دِینࣰا فَلَن یُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ﴾ [آل عمران ٨٥] صدق الله العظيم
    ولا يوجد دين غيره من لدن سيدنا آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . قال تعالى:
    ﴿قُولُوۤا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ وَعِیسَىٰ وَمَاۤ أُوتِیَ ٱلنَّبِیُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾* [البقرة ١٣٦]
    وجاء في آخر سورة البقرة
    ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰۤىِٕكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُوا۟ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَیۡكَ ٱلۡمَصِیرُ﴾ [البقرة ٢٨٥]*
    فقول التجاني
    وامسح على ذرياب*
    واطمس على معبد*
    لا يتجاوز القصد منه أن الشاعر يريد أن يقول للمغني ذي الصوت الحسن والموسيقى الساحرة
    حطم اسطوررة ذرياب وامسحه من من ذاكرة التاريخ وكذلك أطمس على معبد الموسيقار الأسطوري لأن القرينة بينهما وبين المغني “طرير الشباب” هي التفوق في الأداء الغنائي والموسيقي لاغير
    فدين الإسلام خاتم الرسالات لم يطمسها ولم يمسحها كلياً  لأن وجودها تأكيد للختم وتمام الدين وكماله برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
    وقد تحقق ذلك في قوله تعالى
    {ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰاۚ ﴾* [المائدة ٣]
    أما قول التجاني
    وامش على الأحقاب*
    وطف   على   المربد*
    لا علاقة له بواقعة الإسراء والمعراج
    وليس بالضرورة أن يقتصر معنى الأحقاب على العصور التي بعث فيها الرسل للأمم السابقة إذ لا يوجد في النص من دلالة تجعلنا نقيِّد رمزية كلمة “الأحقاب” حرفياً لتؤدي هذا المعنى
    وهذه الكلمة دالة زمنية تتردد كثيراً في شعر التجاني خاصة في قصيدته “قلب الفيلسوف” التي يقول فيها
    أطل من جبل الأحقاب محتملاً*
    سفر الحياة على مكدود سيماه*
    وقوله
    حتى أتى جبل الأحقاب وهو به*
    أحفى وأحدب فاستبكى وآساه*
    إقرأ قصيدة قلب الفيلسوف ديوان اشراقة دار الجيل بيروت ص ٨ /ط ١٦ عام ١٩٧٨
    فالتجاني يرمز “بجبل الأحقاب” إلى التراكم المعرفي عبر الحقب التي صارت جبلاً ضخماً أسماه جبل الأحقاب وقد أطل منه الشاعر الفيلسوف يحمل سفر الحياة على مكدود سيماه وهذا يدل على الرهق والعناء من طول رحلة الشاعر عبر الحقب في البحث عن الحقائق الكونية الكبرى وكلمة “سيماه” تدل على ما تركته تلك الرحلة الشاقة من آثار على ملامحه جراء عوامل الدهر ، و”سفر الحياة” فيه إشارة إلى تاريخ المعرفة الإنسانية منذ خلق آدم  إلى عصره  والذي يستطيع أن يحمل هذا السفر فيلسوف باحث عن  المعرفة الإلهية وليس عن جود الله من عدمه ويتضح ذلك في قوله
    وقام بين الرعان البيض ملتفتاً*
    يصيح في الأرض من أعماق دنياه*
    في موضع السرِّ من دنيايَ متسعٌ*
    للحق يفتأُ يرعاني وأرعاه*
    هنا الحقيقة في جنبي هنا قبسٌ*
    من السموات في قلبي هنا الله* وأخيراً توصل إلى أن الله في قلبه وأقرب إليه من حبل الوريد . وكأن هذ النص استبطن الحديث القدسي القائل “ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن”
    مهما كان رأي علماء الحديث في هذا الحديث ، فإننا نتعامل معه كنص اطلع عليه التجاني عند شيخه الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين  وتأثر به.
    عوداً إلى موضوعنا ،
    طلب الشاعر من الكنار أن يمشي على الأحقاب ويطوف على المربد وهو سوق للإبل صار سوقاً  للشعر نشأ منذ خلافة سيدنا عمر بن الخطاب في البصرة  وازدهر  في عهد الدولة الأموية .
    ورمزيته في القصيدة لا تحيلنا إلى بيت المقدس فتأويل الشاعر يأخذنا بعيدا من مناخ القصيدة التي طلب فيها الشاعر أن يعود الكنار إلى الحقب القديمة لينقل لها هذا المشهد العجيب مخاطباً الشعراء والمغنين في تلك العصور السحيقة ليعيشوا معه تلك اللحظات الخالدة .
    أما قوله :-
    واغشَ كنار الغاب
    في هدأة المرقد*
    طلب الشاعر أن تبلغ رسالته للكنار وهو في هداة مرقده لأنه لا يستطيع الإصغاء للحديث وهو طائر في الفضاء لأن الصوت يتبدد لقلة كثافة الوسط الذي ينتقل فيه .  أما الكنار في مرقده الهادئ ” العش” يستطيع أن يصغي ويتجاوب مع الأصوات ويغني
    “هداة المرقد” هنا مقصود بها مرقد الكنار وليس مرقد الأنبياء والشهداء والصالحين وهذا تأويل بعيد لا علاقة له بسياق المعنى في النص .
    وطلب الشاعر أيضاً من هذا الكنار الأسطوري أن يحدث الأعراب عن روعة ذلك المشهد
    وكلمة الأعراب في وجود أسواقهم القديمة في هذا النص ليسوا أهل مكة الذين نقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم تفاصيل رحلة الإسراء والمعراج ووصف الطريق من بيت المقدس إلى مكة المكرمة . ثم إن مكة كانت حاضرة العرب في الجزيرة العربية “أم القرى” ولا يطلق على أهلها إسم الأعراب التي تعني البدو منهم .
    أما في المقطع الأخير يعود الشاعر من تطوافه عبر الحقب إلى المشهد الذي تجري أحداثه أمامه في زمنه الحاضر ويطلب من ذلك المغني  الجميل (طرير الشباب)
    صور على الأعصاب*
    وارسم على حسِّي*
    جمالك      الهياب*
    من روعة  الجَرْسِ*
    واستدن باباً  باب*
    واقعد على نفسي*
    حتى يجف الشراب*
    في حافة    الكأس*
    هنا أراد الشاعر أن يحتفظ بصورة من جمال المشهد وروعة المغني  مطبوعةٍ على أعصابه ومرسومةٍ على حسه وفيها صورة جمال المغني الهيّاب الذي ظل يرن كالجرس في ذاكرته وحسه المرهف ، والهياب هو الذي يهيب به من الفينة والأخرى ويشده إليه كرنين الحرس ، وهذا تفسير حقيقي لرمزية الجرس والجمال الهياب ، هذا ما أورده الدكتور  مع تأويل آخر وهو جرس الكنيسة التي آوت التجاني بعد أن طرده من المعهد العلمي وأدخلته مستشفى الارسالية للعلاج من داء الصدر ، حسب قوله . والمعلوم أن التجاني لم يصب بداء الصدر فور طرده من المعهد بل عمل في مجالات مختلفة وقد أصيب بهذا الداء في العام ١٩٣٦ وكا سببا في فصله من رئاسة تحرير مجلة أمدرمان حيث انفض من حوله الكقير من أصدقائه عدا الخُلِّص منهم “إقرأ قصيدته التي رثى فيها نفسه محيياً فيها صديقه الشاعر محمود أنيس بعنوان “فاحتفظها ذكرى”.  ولم يرد  في سيرته أنه توفي في مستشفى إرسالية الكنيسة ولم يكن التجاني متشردا بعد فصله من المعهد العلمي فالتجاني عمل في شركة سنجر وكان جل زبائنها والعاملين فيها من اليهود والنصارى  وفصل منها لأنه قاد أول إضراب عن العمل احتجاجاً على تخفيض أجور العاملين السودانيين إستثناءً دون رصفائهم الأجانب نسبة للأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم في ثلاثينيات القرن الماضي .
    كتب التجاني قصيدته الشهيرة في ذلك الوقت بعنوان “ثورة”  محتجاً على ذلك الظلم والحيف الذي وقع على المواطنين السودانيين العاملين في الشركة دون نظرائهم الأجانب فقال
    قف بنا نملأِ البلاد حماساً
    ونقوِّضْ من ركبها المرجحن
    هي للنازحين مورد جود
    وهي للآهلين مبعثُ ضَُنِ
    يستدر الأجانب الخير منها
    والثراء العريض في غير مَنِّ
    أبطرتهم بلادنا فتعالي ابن “أثينا” واستكبر “الأرمَنِّي”
    يا بلادي أخلصتك الخير واستغفيتُ ودي إليك من كل مَيْنِ
    يا بلادي وأنت أضيق من رزقي مجالاً ودون أخْرَاتِ أُذني
    عمل التجاني في الصحافة وصار رئيساً لتحرير مجلة أمدرمان التي كان يصدرها المؤرخ السوداني محمد عبد الرحيم الذي استكتبه فصل الأدب السوداني في كتابه نفثات اليراع في الأدب والاجتماع
    حتى أصيب بداء السل ففصله محمد عبد الرحيم من العمل
    كان التجاني براسل الصحف والمجلات السودانية والعربية فذاع صيته  وعرفته الأوساط الأدبية في مصر وتونس وسوريا ولبنان والعراق .
    قالت كبرى شقيقاته زينب يوسف بشير وكانت قريبة منه يخصها بأسراره .
    ، قالت : إن الدكتور التجاني الماحي هو الذي أخذ التجاني لمستشفى الإرسالية للعلاج من داء الصدر لكنه ما لبث قليلاً فيها حتى عاد إلى بيته وتوفي في غرفته في العام ١٩٣٧ وعمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين عاماً . وكانت لحظات وفاته مشهودة وموثقة من قبل شهود عيان في الأسرة وقد كتبت عنها  في ورقة قدمتها في الاحتفال بمئويته التي أقامتها الجالية السودانية في البحرين وقدمت حلقة عن قصة اللحظات الأخيرة  للتجاني  ضمن سلسلة من الحلقات في لإذاعة صوت الأمة التابعة للهيئة القومية للإذاعة السودانية ، أرجو أن تكون محفوظة في إرشيف الإذاعة .
    لم يكن التجاني في حاجة لرعاية الكنيسة وفي بيته أكبر الخلاوي في أمدرمان يؤمها عشرات الطلاب لحفظ القرآن ولها “تكيِّة” أي سكن يعيش فيه عدد كبير من الطلاب يأكلون ويشربون على حساب الأسرة وقد أنشئت هذه الخلوة خصيصا في مواجهة كنيسة الشهيد مارحرجس بالمسالمة “١٩٠٥ م” بعد موقعة كرري التي استشهد فيها جد الشاعر التجاني والد امه كما فقدت الأسرة اثنين من الحفظة في معارك الشرق بعد انسحاب عثمان دقنة من المعركة وكان بينهم والد الشاعر الكبير محمد سعيد الكهربجي وكانت الأسرة على وعي بدورها في تحفيظ القرآن وفتح الخلاوي في أنحاء متفرقة من البلاد لمواجهة حملات التنصير  لتحصين الأطفال ضد التبشير المسيحي الذي نشط بعد زوال دولة المهدية ، علماً بأن الأسرة أنشأت خلوة أخرى قديمة “١٨٧٠” بالقرب من المكان الذي إنشأ فيه بيت الخليفة ثم نقلت إلى حي العرضة الذي كان معسكراً وثكنات لجيوش المهدية وقد استشهد مئات من ذويهم في موقعة كرري وكانت رسالة خلوة الكتيابي في ذلك المكان هو تحصين أبناء الأنصار من التبشير المسيحي .
    يبقى السؤال ؛
    كيف تقبل أسرة التجاني وهي تؤدي هذه الرسالة الدينية العظيمة أن يرتمي أحد حفظتها وابرز أبنائها في أحضان الكنيسة ؟
    لا بد إذاً من إعادة قراءة وكتابة سيرة التجاني التي كتبها خصومه في عصره ومن ظلوا يتهمونه بالكفر حتى اليوم ولم يفهموا شعره ونثره مواقفه الشجاعة في مواجهة المستغربين من الأفندية (إقرأ مقاله في مجموعته النثرية بعنوان “الكسكتة”) الذي يتحدث فيه عن إنفصام الشخصية الذي كان يعاني منه الأفندية في ذلك الزمان ، فناصبوه العداء ووشوا به عند شيخ المعهد “أحمد أبو دقن” باتهامه بالكفر حسداً من عند أنفسهم والقصة معروفة ، وقد ذكرها التجاني  في قصيدته الشهيرة بعنوان “المعهد العلمي” التي كانت مقررة في منهج الأدب والنصوص لطلاب السنة الثانية من المرحلة الثانوية العامة .
    قال لي الأستاذ خالد أبو الروس إنهم كان يسألون التجاني عن ديوانه بقولهم “عشراقة لسه ما طلع” يقصدون ديوان إشراقة الذي كتبت عنه عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه في عدد من الجامعات العربية والعالمية ، وقولهم “عشراقة” فيه سخرية من التجاني المصاب بالسعال بسبب داء الصدر
    في خاتمة هذه الدراسة
    أود أن أقول إن ما قام به الدكتور عبد اللطيف سعيد من جهد  في دراسته حسب مذهبه التأويلي في قراءة قصيدة “أنشودة الجن” هو مذهب باطني حاول من خلاله تأويل ما كتبه التجاني كفيلسوف وصوفي معذب . ولأهل التصوف قراءاتهم الباطنية للنصوص حسب وقعها في أنفسهم المستغرقة في ما وراء الغيب . ولهم رموزهم التي يفهمونها ومناهجهم في التأويل مستلهمة من تراثهم الصوفي الذي  زخرت به كتبهم ورسالاتهم وتعتبر “الرسالة القشيرية”  التي اطلع عليها التجاني  من أهم المصادر المعتبرة في التعرف على مذهب الصوفية المعتدلة وشرح ألفاظها ومصطلحاتها الشائعة فيما بينهم .
    أما المذاهب الصوفية الباطنية فلا تعترف بمناهج البحث العلمي ولا الحواس الخمس كقنوات لتلقي هذا العلم . بل يعتقدون أن للعلم وسائل باطنيةً تصل بين النفس والعالم الروحاني كلما زكت وصفت ، وهذا يفتح باباً واسعاً للشطح والتهويم بعيداً عن عالم الحقائق  .
    هذا مع تقديري وعرفاني
    صديق المجتبى

8أغسطس 2022

المزيد من المواضيع: