الأمانة

في طفولتي اعتدت أن أبتاع الليمون بعد كل صلاة جمعة من بائع يقف خارج المسجد مباشرة، وفي ذات مرة اكتشفت أنني أخذت ليمونتين زائدتين (سعرهما وقتها أقل من خمسة ملاليم).. عدت للرجل بعد أسبوع وقلت له بصوت متهدج إنني أخذت ليمونًا زائدًا منه ، فابتسم وهز رأسه قائلاً:

ـ”يا رااااجل!”

ولوح بيده لأنسى الأمر. الأمانة شيء جميل، لكن تصرفي لم يخل من مبالغة، دعك من إنني بالفعل كنت أشعر بتيه وإعجاب بنفسي شديدين، كأنني صرت من الصحابة. ورحت أتخيل البائع يحكي القصة لزوجته ورفاقه، ويحدثهم عن الطفل الصغير الذي يرد الأمانة لأهلها. عدت لبيتي شاعرًا أن الناس يتوقفون في الشارع ليرمقوني في انبهار وإجلال: فتى الليمون العظيم.

كل مواقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه تستدعي التأمل، وهناك قصة شهيرة له عندما رأى رجلًا في السوق يحمل تمرة وينادي صارخًا: “لقد وجدت تمرة فمن صاحبها”؟ فعلاه بالدرة وقال له: “دعك من هذا الورع الكاذب!”. قرأت في مصدر آخر أنه قال له “كُلها يا مدعي التقوى!”.

الرجل يظهر كل هذه الأمانة من أجل تمرة.. بينما لو وجد كيسًا مليئًا بالذهب لأخذه بلا تردد، ولن يمشي سائلًا عن صاحبه في السوق. الدليل هو أنني أقرضت الكثيرين في حياتي، لكني لم أسترد مليمًا واحدًا من أي شخص حتى هذه اللحظة!.. بالتأكيد هم جميعُا يبحثون عن صاحب التمرة حتى يبح صوتهم.

كلما كان الاختبار صعبًا أمكنك أن تدرك مدى صدق الرجل ونبله.. سائق سيارة الأجرة الطنطاوي الذي وجد ربع مليون جنيه على المقعد الخلفي فسلمه للشرطة ليس مرائيًا.. هذا رجل قل أن يوجد.

أحمد خالد توفيق

المزيد من المواضيع: