إبن الأكرمين

ضياءالدين عوض الجمل

  • فى رمضان من كل عام تمتلئ الفضائيات بالدراما من كل نوع منها ما يليق بعظمة الشهر ومنها مالايتلآءم ويتماشى مع الشهر الكريم .. عموماً فى شهر رمضان قبل عدة سنوات عرضت إحدى القنوات الفضائية مسلسلأ قيماً عن رجل عظيم بل من أعظم الصحابة ألا وهو سيدنا عمر بن الخطاب , والحقيقة أننى لم أتابع المسلسل ولكن إبنتى إباء كانت تتابعه بإهتمام وحرص شديدين وقد ألحت علىّ أن أشاهد جزء منه فكان لها ذلك , وفى اليوم التاسع والعشرون من رمضان شاهدت جزأً من المسلسل وأدهشتنى الدقة فى التفاصيل وتحرى الصدق فيها بحسبما قرأنا فى المدارس وفى السيرة عن سيدنا عمر بن الخطاب وقد أعجبنى جداً الجزء الذى تناول أمر القبطى المصرى الذى تعرض للضرب من إبن الصحابى عمر بن العاص الذى كان والياً على مصر ولم يكتف إبن عمر بن العاص بالضرب فقط ولكنه أردفها بجملة لازال الناس يحفظونها إلى اليوم ” خذها وأنا إبن الأكرمين ” فما كان من القبطى الذى كان يعلم تماماً عدل سيدنا عمر بن الخطاب إلا أن توجه للمدينة قاصداً أمير المؤمنين واشتكى له مما أصابه من إبن والى مصر , ولا أظنه كان سيتكبد المشاق ويقطع كل تلك المسافات بالدواب لو لم يكن واثقاً تمام الثقة من عدل سيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين , وبعدما استمع إليه سيدنا عمر أرسل فى طلب والى مصر عمر بن العاص وإبنه , فحضرا إلى المدينة وعندها أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمام مشهد من المسلمين , أمر القبطى بأن يضرب إبن الأكرمين ففعل القبطى بعد تردد منه وإصرار شديد من سيدنا عمر حتى إكتفى وشهد بأنه قد أخذ حقه من إبن الأكرمين ووسط دهشة المسلمين أمر سيدنا عمر القبطى المصرى بأن يضرب عمر بن العاص ورفض القبطى قائلاً بأنه قد اخذ بثأره ممن ضربه وعندما إلتفت إليه عمر بن العاص مندهشاً قال له سيدنا عمر ما معناه لولا أنك الوالى ما تجرأ إبنك بفعلته تلك , ثم أردف مقولته الشهيرة ” متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”. يالله ياعمر ها أنت تسبق كل منظمات العدل الدولية وكل منظمات حقوق الإنسان لتعلية قيمة العدل ومساواة الناس كافة أمام القانون. وبالرغم من أننى سمعت هذه القصة من قبل إلا أنها وقعت على نفسى وقعاً جديداً وشعرت بأنها تؤسس لأهم قاعدة من قواعد الدولة العادلة إسلامية كانت أم علمانية ,ألا وهى قاعدة بسط العدل وسريان القانون على الجميع دون إستثناء أو إعتبار لمنصب أو موقع وأن الناس سواسية أمام القانون , وهاهو سيدنا عمر بن الخطاب ينتصر لقبطى ليس على دين الإسلام من إبن والى مسلم بل من الصحابة المميزين الأبطال ألا وهو عمر بن العاص . ساقنى هذا الحدث إلى ما وصلت إليه حال بلادنا الإسلامية والعربية اليوم من محسوبية وتعالى على القانون بحكم القرابة أو المنصب , فكثيراً من أبناء المسؤولين فى بلادنا العربية والإسلامية يستغلون مناصب ذويهم فى خرق القانون وأخذ حق غيرهم دون وجه حق ولا يتورعون فى إيداعهم السجون إذا ما تجرأوا ووقفوا فى وجههم .
    ترى هل تصل هذه الرسالة إلى الرؤساء والمسؤولين وهل ياترى نعيش لنرى اليوم الذى يبسط فيه العدل على الناس جميعاً ويقف الجميع سواسية أمام القانون مهما علا شأنهم أو نسبهم أو قرابتهم بمن يتولون أمر البلاد والعباد وليكن فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة حين قال ” لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمدٌ يدها”. ودائماً ما نستشهد بالدول المتقدمة بالرغم من أنهم لا يدينون بالإسلام ولكنهم يطبقون أحكامه بحذافيرها فلا نجد مسؤولاً فوق القانون ناهيك عن أبنائه فالقانون يسرى على الجميع وفى إمكان أبسط مواطن أن يقاضى أكبر مسؤول طالما كان على حق ويأخذ القانون مجراه , لذا هذا هو سر تقدمهم وتطورهم خلافنا.
    وحقيقة قفز إلى ذهنى سؤال أعتقد أنه مشروع , لماذا لم يشتكى القبطى المصرى للوالى عمر بن العاص وهل كان لديه شك فى أنه لن يأخذ له حقه من إبنه وهل كان العدل مركزاً فى سيدنا عمر بن الخطاب دون غيره من ولاة الأمور فى ذلك الزمان وهل يعنى ذلك أن العدل كان صفة خاصة وملازمة لسيدنا عمر لإيمانه القوى وتطبيقه لكتاب الله وسنة رسوله بالكامل دون غيره … ولماذا يكون العدل إنتقائياً وليس صفة ملازمة لكل مسلم وكيف نجعل العدل هو الصفة السائدة فى الدولة الإسلامية دون أن تكون مرتبطة بشخصية معينة … كلها تساؤلات تدور فى ذهنى وأنا أتابع ما يدور فى عالمنا العربى والإسلامى ولا أجد إجابة … وأتسآءل هنا بصفتى مسلم عادى فلست بفقيه ولا عالم ولكنى غيور على دينى والسؤال كيف نربط بين المنهج والتطبيق , منهج الإسلام العادل المتكامل الذى لم يفرط فى شىء وبين التطبيق على أرض الواقع من المسلمين أنفسهم ثم من ولاة أمورهم , فنجد أن المنهج الإسلامى يعدل بين الجميع ويضع الكبير والصغير أمام القانون فيثاب من يحسن العمل ويعاقب من يخالف القانون أىً كان, ولكن فى أرض الواقع نجد أن من بيده الأمر لا يطبق القانون عليه ولا على أهله وإنما فقط على الرعية , ولم نسمع خلال سيرة الدولة الإسلامية الطويلة بعد سيدنا عمر بن الخطاب والخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز من طابق بين المنهج والتطبيق , إذن كيف نخلق المسلم المتوازن حاكماً أو محكوماً الذى يستوعب المنهج ويحسن التطبيق …. ولعلنا إذا أخذنا عينة عشوائية نجد أن المجتمع السودانى فى الفترة من أربعينيات القرن الماضى إلى سبعينياته كان مجتمعاً مثالياً مستوعباً للمنهج ومحسناً للتطبيق , وقد كان ذلك كما روى لنا وكما شهدنا وعاصرنا جزءً منه تطبيقاً لكل تعاليم الإسلام فى المجتمع من تكافل وحفظ لحقوق الآخرين وإكراماً للضيف وإغاثة للملهوف وإحتراماً للجار فلم يكن فى تلك الحقبة من يأكل أموال الناس بالباطل ولا كان هناك من يحتالون على الناس لا رؤساء ولا مرؤسين وكان الخائن والمحتال منبوذاً من الجميع, كما كانت روح الإسلام هى السائدة بين الناس وكان جوهر الإسلام ” الدين المعاملة ” قيمة عظمى فى المجتمع وأكثر من ذلك أننا عرفنا وتميزنا بين الشعوب بأننا شعب صادق وأمين وقد قامت نهضة السعودية والإمارات العربية على هاتين الصفتين فكان لا يؤتمن على مال إلا سودانى ولا يوضع فى منصب مهم وحساس ويتطلب العدل إلا سودانى ولكن تغيرت الأمور الآن… ترى هل نستطيع إعادة بناء المجتمع السودانى من جديد لنعود به إلى الوراء الذى هو الأحسن فى هذه الحالة وهل نطمع أن نرى شعبنا العربى والإسلامى يتصف بصفات الإسلام ويتبع المنهج الإسلامى وينزله على أرض الواقع تطبيقاً رؤساء ومرؤسين وكيف سنكون ساعتئذٍ … لاشك أننا سنكون خير أمةٍ كما قال الله تعالى .

والله من وراء القصد

ضياءالدين عوض الجمل

المزيد من المواضيع: