تاريخ قاعة امتحانات جامعة الخرطوم

هي قاعة مصممة على تصميم ( قشرة البيض ) رقيقة الحاشية وقوية تترك تحتها مساحة واسعة متعددة الأغراض والاستخدامات:
ـ قاعة لامتحانات الطلاب ، كل طالب يجلس منفرداً ، ويسهل مراقبته . تتسع لثلاث قاعات متفرقة .
ـ قاعة مصممة لإقامة مهرجانات مسرحية وغنائية وموسيقية .
ـ قاعة لندوات ومحاضرات متعددة الأغراض
و قد صممها البروفيسور أليك بوتر و سرد ذكرياته عنها بكتاب اسماه:
EVERY THING IS POSSIBLE: OUR SUDAN YEARS
تم تنفيذ قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم سنة ١٩٥٨م
بايدي سودانية ومعظم العمالة من أهلنا من جنوب السودان ، والأخشاب تم توريدها من الجنوب بالنقل النهري . المقاول المنفذ هو جابر أبو العز و الطوب الأحمر المستخدم من كمائن الخرطوم والجريف
الخط العربي بيد فنان تشكيلي سوداني.
المصمم هو البروفيسور أليك بوتر ، وهو أستاذ بقسم العمارة بكلية الهندسة ومؤسس القسم .
ميزانية انشاء قاعة الامتحانات كانت عشرين الف جنية سوداني (تعادل حينها حوالي ستين الف دولار أمريكي).
عند تصميم القاعة كان هنالك تشكيك من الجانب السوداني في امكانية تنفيذ هذا التصميم. كان يتعين علي لجنة المباني (نواة الادارة الهندسية الحالية) و ب اليك الاتفاق علي عشرات النقاط والتفاصيل ، وعن التحكم في حرارة القاعة ، فقد قام البروفيسور بعمل معادلة مبسطة على أساس أن الحرارة الصادرة من عدد ( 500 ) طالب تعادل ( 125 ) TWO KILDWATT FIRE دون حساب زيادة الحرارة المصاحب للامتحانات ! .
كأن رأي لجنة المباني من بعد اجتماعها الطويل أن المبنى لن يصمد طويلاً ، وسيتداعى السقف من التغيرات في درجة الحرارة .
زار البروفيسور ( أليك ) مكان حفظ الأخشاب بمصلحة الغابات آنذاك ، وتمعن ملياً في أخشاب المهوقني . قرروا المطالبة الفورية بخشب مهوقني قيمته 3000 جنية سوداني. وهي الكمية التي تكفي المشروع. على أن يتم تجفيفها في جوبا وضمان وصولها إلى الخرطوم في الوقت المناسب .
جهز البروفيسور بمعونة زوجته ( مارغريت ) الفنانة التشكيلية أنموذجاً مُبسطاً للشكل الهندسي للتصميم واستخدم ( أليك ) المهوقني الحقيقي لعمل أنموذج الأسقف الثمانية واستغرق ذلك كل الليل وإلى الفجر ،
وقدم الأنموذج للجنة المباني.
فاق تأثير الأنموذج على أعضاء لجنة المباني كل التوقعات ، فقد خيم سكون مُطبق . أنزل ( أليك ) الأنموذج بحذر وأمسك بالسقف وأزاحه وتبدت الفرضية العلمية من إسكتشات وعمليات حسابية إلى أشكال ملموسة ودقيقة حقيقية تُشبه أجنحة الطيور .وشرح البروفيسور النظرية وفلسفة التصميم وطرق التنفيذ . كان رأي السيدة الفنانة التشكيلية ( مارغريت ) أن يتم استلهام نماذج الخطوط العربية الإسلامية من المخطوطات التي نقلتها من ( اللولو كامي) ، والتقى بالأمين مدثر وكان أحد تلامذة البروفيسور وشاوره بشأن الخطوط ومعانيها وملاءمتها للتصميم وأعجبت الأخير الفكرة وأشاد بأنها خطوط عربية سليمة بزخرف كلاسيكي . وتم عرض الأمر على لجنة المباني ، و اعجب نائب مدير الجامعة بالتعبير :
( وما توفيقي إلا بالله ) وأوصى بشدة أن يكون اسم القاعة ( قاعة النجاح ) .
كان تصميم القاعة وتحديد مواصفاتها ومقادير المواد المطلوبة مكتملاً و جاهزاً ، وقد أوصت اللجنة بأن تُعرض في معرض أقيم لأعياد ثورة عبود في 17 نوفمبر ١٩٥٧ وأن يتم لفت انتباه ضيف البلاد آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر إلى المبنى ذي الشكل الفريد ..
انتهى وقت النقاش ، وبدأت مرحلة طرح العطاء حسب ما هو متبع في السودان ، وفاز بالعطاء المقاول السيد ( جابر أبو العز ) على منافسيه الخمسة بفارق كبير في السعر ، وكان منافسوه ثلاث شركات سودانية و واحدة بريطانية وأخرى مصرية .
كان ( جابر أبو العز ) رجلاً حاد الذكاء و ذا حاسة مهنية مُتفردة ، رغم تشكُك ( أليك ) في تفهم المقاول لطبيعة التصميم و مخططاته .
كانت في الموقع المختار لبناء القاعة شجرة بانيان ضخمة. تم اقتلاعها و نقل بقاياها و الذي اخذ أربعة أيام وجيش جرار من عمال المقاول ( جابر أبو العز) يقومون بأعمال التقطيع والنقل . وقد استخدم ( أليك ) كل مهارة المعماري في العمل داخل مؤسسة معمارية راسخة ذات خبرة مهنية رفيعة ، وأن يتلقى العون والنُصح الفني الضروريين من جهة مهنية ذات صلة حميمة وأن يكون العون والنصح في متناول اليد وفي كل وقت .
وقال ( أليك ) لنفسه :
( سيصبح استدعاء كل تلك الأشياء في الذهن في مُقبل الأعوام أمراًَ يبعث على البهجة ) وبالطبع فمهما كان البحر هائجاً ومضطرباً اليوم ، فإنه سوف يصبح هادئاً وساكناً في الغد .
اقترحت الفنانة التشكيلية ( مارغريت ) زوجة البروفيسور ( أليك ) ورفيقته في التصور الفني للمشروع ، أن يبدأ دق الأوتاد في كامل الموقع مع خيوط الفجر الأولى . هكذا كان الأمر . وعندما بدءوا العمل كانت السماء تتوهج باللون الأحمر الوردي قبالة ( بُري ) . الحمير ( العاملة ) تنهق طوال النهار . بدأت أدوات مسح الأراضي بمجموعة من الأعمدة السوداء والبيضاء والحمراء . سلاسل وأشرطة القياس والأسهم . أزميل هنا ومطرقة هناك .
لقد دلت التجارب أن ساعة الصباح الأولى في المناطق الحارة والجافة أفضل ميعاد للعمل وتجلب الكثير من متعة العمل . بين مباني كلية القانون ومباني الإدارة نهض المبنى . قالت الفنانة ( مارغريت ) إنها حزينة لاجتثاث شجرة ( البانيان ) . فالنبتة الحية الوثيرة بفستان عُرسها كانت تُجمل المكان وتُظلل ، فكيف تغيب ؟ .
وكانت لتلك الملاحظة مساحة حسرة أن يتم اغتيال جسد حي ، فيتعين إقامة حياة أفضل .
في لهب الظهيرة جلس البروفيسور ( أليك) وزوجته ( مارغريت ) مسترخيين على مقاعد من طُرز القرن التاسع عشر ، وأرجلهما ممدودة على ( مسندي القدمين ) إلى آخر المدى , كان الهواء جافاً لدرجة حالت دون تكاثف الندى على زجاجة النبيذ الباردة أو الأكواب رغم حرارة اليوم وبرودة الشراب وهو يحتسيه في بيته ! .
تلك حياة البروفيسور ، وذلك خياره .
قامت جهة حكومية بعمليات المسح وأخذ المقاييس لموقع القاعة .. لم يكن هنالك مهام واضحة ، أو قل كانت متداخلة لصعوبة الضبط ، إذ لا يوجد تقليد مكتوب ليسير الناس على هديه ، ولكنك طالما وُضعت الثقة فيك لإنجاز أمر ما فإن من المفروغ منه أنك ستبذل قصارى جهدك لإنجازه على الوجه الأكمل . لم تكن هنالك اتحادات لتُخاطب المخدمين بما يجب عليهم أن يفعلوه بقواهم العاملة ، ولم يكن هنالك معهداً ملكي أكاديمي يناقش المصمم الحساب إذا قصر أو يؤازره في أوقات الشدة . بقدوم ( أليك ) للسودان فقد اختار الحرية ، وهو الجانب الصعب من الاختيار .
لقد تم إعلام الجميع بأن معهد ( جوته ) سوف يستقدم أعضاء من فرقة أوركسترا راديو ( كولون ) السيمفونية للعرض الموسيقي ليلة الافتتاح . بعد ثلاثة أسابيع من حمى قرمزية ألمت بالبروفيسور ( أليك بوتر ) وصلت ألواح المهوقني الأرجواني الأملس الداكن المصقول . اتقاء من شمس الصيف الحارة تم تجهيز وقاية لعمال الموقع باستخدام مظلات مصنوعة من المشمع . و كانت البراغي المستخدمة لتثبيت ألواح المهوقني تستعص على التناول بالأيدي بسبب سخونتها من التعرض للشمس ، وكانت الأواني المليئة بالماء البارد هي الحل .
كانت زخارف الخط العربي عنصراً أساسياً لتزين الجدران المحيطة بالمنطقة الوسطى للقاعة ، بكتابة كلمات النقشين المتماثلين لنص ( و ما توفيقي إلا بالله ) بنفس حجم الأحرف التي أبدعها الفنان الراحل ( عثمان عبد الله وقيع الله ) ، وقد كان فناناً مبدعاً و خطاطاً من الطراز الأول .
لقد وصف عمله البروفيسور أليك بأنه كان شيئاً رائعاً حين يتابعه المرء وهو يغمس أدوات الخط في الحبر الهندي ، وأعجبه نقش اسم ( الله ) ، أما (ما توفيقي إلا بالله ) فقد كان تصميماً صعب التنفيذ . كانت مهمة ( مارغريت ) هو تكبير الخط من حجم الورقة إلى حجم الجدار ثم نقله بالفرشاة والطلاء على الجدران . كانت النقوش الخطية على جدران شديدة البياض والخط باللون الأسود الفاحم فيما عدا ( التوفيق ) في أحد التصميمين المتماثلين فكانت باللون القرمزي لاعتقاد السيد ( أحمد المرضي جبارة ) مسجل جامعة الخرطوم بأنه اللون الذي سيضفي على النقوش لمسة من جمال .
كانت ( مارغريت ) تقوم بتنفيذ العمل لمدة ساعتين او ثلاث على نحو متصل ، في الوقت الذي يخلد فيه أهل الخرطوم لنوم القيلولة ! .
بعد اكتمال تركيب السقف وتم تركيب مسلة صغيرة في أعلى السقف بطائرة هيلكوبتر لعدم توفر معدات مناسبة ، و تم نقل النقوش على الجدران ، بدأ الاستعداد للتجهيزات الكهربائية وتثبيت المعدات . قام المصمم ( أليك ) بتصميم مقاعد جلوس من الخشب الـداروت الأصفر ، مضلعة الشكل وبمساند ناعمة للأيدي من المهوقني الأحمر الغامق . كانت الوسائد رائعة قبل أن يتم حشوها بوبر الجمال .
الأرقام العربية للساعات الكبيرة التي تم رسمها بواسطة المصمم قد تم تصنيعها من النحاس في لندن . في زمن قصير أقيم هيكل هائل من الحديد ( المزوي ) ليشكل قاعدة تم تجهيزها بأربع وثمانين ( لمبة فلورسنت ) كانت تتدلى من وسط سقف القاعة حسب التصميم المُعد مثل ( كعكة زفاف ) . شركتا الخطوط الجوية البريطانية لما وراء البحار و ( مصر للطيران ) قد وافقتا على المساعدة في البحث عن أقفال ومقابض أبواب القاعة ذات المواصفات الخاصة ، وذلك من المدينتين اللتين حددهما المصمم وهما ( شفيلد ) و ( بيرمنجهام ) .
تم كنس القاعة ونظافتها وحملت النفايات في سلال من السعف للشاحنات العتيقة المتهالكة . في المساء هبت عاصفة وأمطرت السماء ، وكانت تجربة لاختبار مزاريب المياه ، فصارت كلية غردون التذكارية كمسرح خرافي ، وقد وقف أمامه صفان من أشجار النخيل الملوكي ، كانت الأشجار تتمايل وتترنح وتندفع للأمام وتبدو كمجموعة من راقصي الباليه السُكارى .
ليلة الافتتاح كانت القاعة على سعتها ، امتلأت تماماً بالسيارات السوداء الفارهة تقف تحت أشجار المهوقني المنتشرة في المكان وهبط علية القوم من كل شكل ولون . بعضهم ببزاتهم العسكرية والبعض بملابسهم الوطنية . واحداً بعد آخر جلس المدعوون على الكراسي الوثيرة و غاصوا في الوسائد المحشوة بوبر الجمال ، وصاحب جلوسهم صدور هسيس خافت من اثر خروج الهواء من داخل الوسائد .خلف المسرح علقت ستائر سوداء عليها بعض الزخارف النوبية الملونة ، وقامت ( مارغريت ) بتثبيت الزخارف عليها مستعينة بماكينة الحياكة اليدوية القديمة التي تملكها .
بمجرد ظهور عازفو آلات النفخ الموسيقية ( لأوركسترا راديو كولون السيمفونية ) وهم في ملابس السهرة و ملئوا القاعة بأصوات موسيقى صافية الوضوح ، فبدت أن القاعة بالفعل قد أعدت للموسيقى إذ أن التجهيزات الصوتية كانت رائعة الأداء .عزفت الفرقة مقطوعة ( كارل استامتز ) الرباعية وكانت تمثل الجزء الأول من الحفل الموسيقي .
ويحكي البروفيسور :
( كنتُ بعيداً جداً بأفكاري للدرجة التي أصبت فيها بصدمة عندما أضيئت الأنوار و وجدت نفسي في أفريقيا ! . وحدث لغط وضجيج وغمغمات مختلفة بين الحاضرين ولكنها سرعان ما تلاشت بمجرد أن ظهرت أمامهم سيدة من جنوب السودان ، عجوز طويلة الجسم في أسمال سوداء . كانت العجوز تشق طريقها من الجانب القصي للقاعة إلى حيث كنا نجلس في الصف الثاني . كانت تمشي في كبرياء منتصبة القامة وهي تمُر أمام المسرح وأمام علية القوم . وعندما اقتربت منا نهضنا من مقاعدنا و وقفنا .
تناولت السيدة بين يديها في صمت اليد اليمنى ( لمارغريت ) ورفعتها إلى أعلى ثم وضعتها إلى شفتيها مقبلة إياها . بعدها استدارت السيدة وعادت أدراجها من حيث أتت ، دون أن تلتفت يميناً أو يساراً حتى خرجت تماماً من القاعة واحتواها الظلام .)
كانت تلك السيدة العجوز التي وصفها البروفيسور هي التي كانت تقوم بأعمال الطبخ لعمال المقاول ومعظمهم من أبناء جنوب الوطن بقوامهم الفارع وغنائهم الجماعي وهم يؤدون أشق الأعمال اليدوية بيسر . وكانت في كل مرة ترقب ( مارغريت ) وهي تنقل خطوط ( عثمان وقيع الله ) إلى الحجم الذي رأينا ، بينهما حوار إنساني بلغة غير ما عهدنا من لغات . نبتت في قلبها محبة لتلك الأجنبية الرائعة التي تؤدى عملها الفني الرفيع بتؤدة وصبر . لتلك قصة يتعين أن تجد لها في فراغات القص مكاناً يجمع الذين يقومون بأعمالٍ كبيرة ، ويغفلهم التاريخ دوماً . كانت تلك السيدة العجوز هي واحدة من الذين قدموا بيسر وأريحية الكثير الذي يستحق احترامنا . لم يتذكر الجميع اسمها ، كقبور بناة تماثيل المعابد وأهرامات الأجداد ، انكفأ صحن الدهر بما يحوي ودفن التُراب أبطال الأحداث التاريخية الجسام !.
تحية لها ولكل من رفع أقداح عجين الأسمنت وألواح المهوقني أو مكعبات الطوب الأحمر ، أو من يشد البراغي أو يرفع السقائل أو يقدم أنموذج لإدارة أعمال التشييد أو قيادة التنفيذ من خلف المعلم ( بروفيسور أليك بوتر ) .
وكان الأخير هو معلم أساتذتنا من الرعيل الأول في هندسة العمارة من السودانيين .

“قاعـة امتحانات جامعـة الخرطـوم : صرحٌ معمـاري مُتمـيز .”

المزيد من المواضيع: