الموسيقى أزيز القلب

بقلم: عماد البشرى

  • أردت بهذا المقال أن أخرج من دائرة المألوف، واستصحب معي مشاعر دفاقة للتعبير عن هبة إلهية للإنسان المتحضر ألا وهي الموسيقى، وأعني هنا ما يسمى بالموسيقى البحتة التي لا تنسجم مع كلمات لتغنى، بل تخرج دون أي إكسسوار فني سوى أصوات متناغمة تمنح القلب والعقل فسحة للتخيل والسياحة في عوالم آخر قطعا هي دروب من دروب الجنة.

لأني لست دارسا جيداً لتاريخ الموسيقى البحتة، ولعلي قد أكون خاطئا أيضا في إطلاق الاسم نفسه، إلا أنني واثق أن الصدفة وحدها هي التي لعبت دورا مهما في إدراك الإنسان الأول الذي انتبه لحفيف الأشجار، وما ينطلق من ذلك من صوت، فأسرع إلى صنع آلات بدائية ليخرج منها أصوات يحبها، ويسمر بها حتى تطورت الآلة، وصارت أحد أهم تعريفات الموسيقى بأن صرنا اليوم نتحدث عن الموسيقى الآلية.

عجبت أن الغربيين يفتخرون أنهم طوروا الآلة الحربية، حتى وصلت حرب النجوم، دون أن يفتخروا كيف أنهم طوروا في الكمان والشيلو والبيانو والجيتار وبيز الجيتار وغيره حتى العرب عندما يتحدثون عن الحضارة الأندلسية يتحدثون عن زرياب، وما أدخل من وتر على العود فوتر عود زرياب آخر ما بقي من الأندلس العربية، لكن تتعمد البشرية ألا تحتفي بأرق ما عندها، وتحتفي بما يقتل الناس ربما هي دافعية البقاء بقوة على ظهر الكوكب.

المهم أعود لعلاقتي بالموسيقى البحتة وأنا صغير كنت أستمع إلى راديو لندن وصوت مقطوعات بتهوفن كان راقيا ساحرا لي وتنبهت وأنا صاحب الاثني عشر ربيعا أن أدق أبواب الموسيقى البحتة، فكانت أجمل مقتنياتي من أشرطة الكاسيت لموسيقى هوفن وباخ وموتسارت خاصة سيمفونيته الأربعين وكيني جي وجيمس لاست وجورج زامفير وغيرهم من عباقرة الخيال الموسيقى  والمدهش في كل ذلك أنهم أبناء ريف في بلادهم ان لم أقل جلهم، وهذا يؤكد مدى نقاء إنسان الريف وقدرته على صنع الجمال فالموسيقى البحتة جمال مصنوع، لكن بإحساس مرتب وبطريقة الآن أصبحت علمية تماما.

أما عزيزي القارئ إذا ما عدت إلى النيل كما قال الدسوقي في رائعته (عد بي إلى النيل) فيبرز لك في بلادنا برعي وبشير وحافظ عبدالرحمن والفاتح حسين وتجربة جميلة ومهمة لا أدري متى يقف أمامها التاريخ وهي تجربة فرقة السمندل كأولى الفرق الموسيقية البحتة، والتي خرجت من نطاق المألوف لتقدم موسيقى سودانية خالصة المزاج والأركان.

وفي مصر القريبة تنسجم مع عمار الشريعي وعمر خيرت وياسر عبدالرحمن وجمال سلامة وغيرهم ممن أثروا الوجدان العربي  بإبداعهم.

قطعا ما دفعني لهذا المقال إحدى المقطوعات التي كنت أسمعها بهدوء، لكن ظل سؤال قائم كبير متى تستوعب وزارة التربية السودانية أهمية حصة الموسيقى، وتدفع بأساتذة موسيقى ليعلموا أطفالنا مراقي الجمال ومنتهى الإحساس، ويخرجوهم من  بداوة حسن والصفارة والجمل سفينة الصحراء وغيرها من قصص حتى وإن كان القصد منها رفع درجات الشهامة والنبل إلا ان وحدها أنتجت إنسانا سودانيا جافا لا يتحرك إلا مع الغناء، ولا ينسجم حتى مع زقزقة العصافير، ولا يدري الاعصافير خريف وردي والحلنقي وأغلب الظن لم يصل بعد لعمق الصورة التي منحها حلنقي للعمل.

المزيد من المواضيع: