مدينتي قبيلتي

  • ضياء الدين عوض الجمل
  • خلال مراحل الدراسة المختلفة من تعليم عام داخل السودان أو تعليم عالي في جامعات مصر لا أذكر في يوم من الأيام أن كان الحديث بيننا كطلاب عن القبيلة أو القبلية، وكان عندما يسأل أحدنا الآخر يسأله من أي مدينة أتى، وليس من أي قبيلة هو، لذا كان الناس ُيعرفون بمدنهم التي أتوا منها لا بقبائلهم.

لعل مما ساعد على ذلك خلو جميع الاستمارات الحكومية في ذلك الزمان من خانة القبيلة، فكان الناس يُعرفون بالمدن التي نشأوا وتربوا فيها، فتجد العطبراوي والحلفاوي نسبة لمدينة حلفا، وليس لقبيلة الحلفاوين كما نجد السناري والمدني وهكذا. ومن خلال دراستنا الجامعية بمصر لم يكن أمر القبيلة جزءاً من ثقافة الحوار بين الطلاب، وربما في تلك الفترة التي درسنا بها كان الاتجاه السياسي هو الذي يُنسب له الطالب أكثر من القبيلة. كذلك أيضاً لعل من أسباب عدم الاحتفاء بالقبيلة أنها لم يكن يسأل عنها في المعاينات عند التعيين آنذاك.

في السنوات الأخيرة أصبح أمر القبيلة من الأمور المهمة، وأصبح الإجابة عليها شرطاً لقبول الاستمارات الحكومية، ولعل هذا الأمر أحدث نوعاً من الرجوع إلى الأصول القبلية، وأصبح حتى الأطفال يفرقون بين القبائل.

في هذا المقال أدعو إلى العودة إلى تفعيل الانتماء للمدن كمرجِع للهوية فالمكان الذي نشأت فيه هو الذي يشكل ثقافتك ووجدانك، ولنعمل على تغذية وتعميق حب المدينة التي ينشأ فيها الفرد، وذلك بالعمل على إعادة مدن السودان المختلفة إلى سيرتَها الأولى وذلك بعودة الخدمات الأساسية لها، ولنسمي المنشآت التي تقع داخل المدن بأسماء تلك المدن كالمدارس والمستشفيات والحدائق وغيرها، كما يمكن تسميتها بأعلام المدينة ممن قدموا لها أعمالاً تستحق أن تُخلد أسماءهم لها، وحتى يكونوا قدوة لشباب المدينة ليحذوا حذوهم، وأن نجعل من الرياضة عنصراً فاعلاً في تعميق وتجذير حُب المواطن لمدينته، وذلك بأن نجعل الرياضة عنصراً فاعلاً، وأن نسمي الفِرق الرياضية بأسماء المدن وبسبب ذلك يزداد ارتباط المواطن بمدينته، ولنقيم المسابقات والمنافسات كتلك التي كانت تقام في ألمانيا (تيلي مباراة) وقد كنا نشاهدها في التلفاز، وكانت فكرتها الأساسية تقوم على التنافس بين مدينتين وبحضور عمدتيهما، وقد كنا نرى كيف أن أهل كل بلدة يشجعون لاعبيهم، ويقفون خلفهم لتفوز بلدتهم؛ مما يعكس ارتباط الناس وحبهم وولاءهم للأماكن التي ينشأون فيها.

ولنعلم أن حُب الأوطان ينمو، ويتعمق ويتجذرويبدأ من حب الأماكن التي تشهد بداية نشأة الفرد، والتي تمثل له الوطن الصغير، ثم يتمدد هذا العشق ليشمل كل أرجاء الوطن الكبير.

كذلك العمل على فتح المراكز الثقافية والرياضية والإبداعية في المدن الكبيرة؛ مما يساعد على تنمية مواهب أبنائها كباراً وصغاراً، ويقوى العلاقات الثقافية والوجدانية لأهل المدينة؛ مما يزيدهم حباً وارتباطاً بها.

كذلك العمل على ربط كل مدن السودان ببعضها البعض عن طريق السكك الحديدية والطرق القومية العريضة ذات المسارين حتى يكون الوصول إلى المركز أو أي مدينة أخرى في السودان ميسوراً، وبسبب ذلك ينتفي الإحساس بالعزلة والتهميش.

ومن إيجابيات هذه الفكرة أن المدينة تضم عدداً كبيراً من الناس من مختلف قبائل وبقاع السودان، فإذا جعلنا المدينة هي المرجعية التعريفية للفرد نكون بذلك قد ساعدنا على صهر كل تلك الثقافات والأمزجة والأعراف في بوتقة واحدة يكون الناتج منها خليطاً سودانياً خالصاً، كما نكون قد ذهبنا ثقافة المرجعية القبلية.

وبدلاً من ازدواجية الهوية كأن يكون الفرد من قبيلة معينة لها مدينة معينة لم يولد فيها، وقد يكون لم يرها في حياته، وفي المقابل يكون قد ولد، وترعرع في مدينة أخرى تشّرب من عَبَقِها وثقافتها وله فيها من الذكريات وعَبَق المكان ما له الأثر الأكبر في تشكيل شخصيته وله فيها من الجيران والأصدقاء من هم أقرب إليه من أهله الذين لا يكاد يراهم إلا في المناسبات أو حين القدوم من البلد للعلاج، وبذلك يكون الانتماء إلى المدينة أقوى من الانتماء إلى القبيلة. ولعله أمر طبيعي فالمكان الذي تعيش فيه معظم عمرك، والذين تعاشرهم من جيران وأصدقاء هم المكون الحقيقي لثقافتك ومزاجك.

دعونا نرفع من هنا شعار “مدينتي قبيلتي” ولنعمل على الترويج له، حتى يصبح واقعاً؛ لأن فيه الحل للعديد من مشاكلنا.

والله من وراء القصد

 ضياء الدين عوض الجمل

diaeldine@yahoo.com

المزيد من المواضيع: