لحظة الإبداع ما هي؟ وكيف تحدث؟

  • بقلم: صديق المجتبى

ذات خلوة مع الذات بعد فراغي من كتابة إحدى قصائدي وكنت مرهقاً كالقادم من  سفر بعيد . حاولت أن استدعي أحداث تلك الرحلة من نقطة البداية إلى نقطة النهاية فلم أجد في ذاكرتي غير الأحداث التي وقعت قبل الدخول في نوبة الكتابة وقليل من الصور التي ظلت عالقة بالذاكرة تلوح كأطياف بعيدة يفصلني عنها برزخ بين عالمي الطبيعة وما وراء الطبيعة . كان عالم الطبيعة حاضرا لحظة التذكر  أما عالم ما وراء الطبيعة فيحتاج إلى أدوات للتنقيب عنه بين ثنايا النص الشعري ولا يمكن للشاعر أن يدركه أثناء الكتابة لأنه سيفارق لحظة الإبداع بعد الفراغ من حالة الكتابة  :
*******
ثارت في نفسي أسئلة كثيرة بعضها لا يمكن الإجابة عليه فوراً ، وبعضها يظل مشروعا للبحث والتقصي، وبعضها يستعصي على المبدع أن يجيب عليه مثل متى تداهمه نوبة الكتابة ؟ وماذا يحدث له أثناء تلك اللحظة ؟ وكيف تنشأ القصيدة وهذا مثل سؤال متى تنام وتخرج من عالم اليقظة إلى عالم برزخي ؟ وما هي الأحلام التي ستداهمك هذه الليلة ؟ ومن يؤلف هذه الأحلام أو الكوابيس المزعجة ؟ وهذا يدل على أن ملكة الإبداع والتأليف يمكن أن تحدث في حالة النوم والإنفصال من عالم الطبيعة وغياب الوعي ولها مركز في مخ الإنسان
وهناك أسئلة أخرى مثل:
متى تنضج هذه اللحظة وكيف أقتنصها؟ وهل يمكن الكتابة دون أن تتوافر أشراطها ؟
ومتى يشعر الشاعر أنه قد أفرغ شحنته العاطفية وطاقته الإبداعية المخصصة لتلك اللحظة ليتوقف عن الكتابة ويعود من وادي عبقر إلى وادي الحياة الطبيعية؟
ثارت في ذهني العديد من الأسئلةحول هذا الموضوع . تذكرت ورقة كتبتها عام ١٩٩٥ للمشاركة في ندوة علمية نظمتها الهيئة القومية للثقافة والفنون آنذاك حول قضايا الإبداع الأدبي بعنوان  الأنساق الفكرية في الإبداع
ولكنني آثرت ألا أرجع إليها ملتمساً منهجاً جديداً في التفكير في عملية الأبداع كيف تحدث ومتى تنتهي . وهل للإبداع لحظة واحدة خاصة بالشاعر أو المبدع عموماً ؟ وهل هنالك لحظة خاصة بالمتلقي أو متذوق  النص أو العمل الإبداعي ؟
********
للإبداع  في نظري لحظتان يشعر فيهما الشاعر باللذة والمتاع ، الأولى عندما يكون في لحظة التَنزُّل الشعري وهو في هذه الحالة وسيط بين عالمين .                    عالم ميتافيزيفي غيبي يهمس في مشاعره ما يهمس  من صور وخواطر تتداعى كالحلم في ذهنه وهو يقظان تحيط به المؤثرات الطبيعية كالأصوات والمرئيات والكائنات  التي تهجم عليه من هنا وهناك والذكريات والتجارب والأحداث التي تفقد كثافتها المادية لتكون جزءا من المشهد الشعري اللطيف في لحظة التكوين . وانت لا تدري كيف يحدث ذلك ، وكيف تحدث هذه العملية السحرية في نفسك الشاعرة كأنك في لحظة حلم مرعب أو جميل أو الأثنين معاً .
والثانية عندما يغادر الشاعر لحظة الإبداع  وقد أنجز النص أو العمل الإبداعي بمساعدة العوامل الداخلية والخارجية التي تدخلت في عملية الإبداع بشقيها الطبيعي والما وراء – طبيعي  ،  فالشاعر هنا وسيط روحي بين هذين العالمين ، فعالم الميتافيريقيا “عالم ما وراء الطبيعة” يخاطب الروح وهي مركز الوعي الجمالي .
وعالم  الطبيعة وهذا يخاطب مركز الإدراك الحسي الذي يمده بالمؤثرات البيئية ليصنع الأفكار والصور  التي يرسم منها  لوحته الشعرية . وهي المنتج النهائي الصادر منه إلى المتلقي حيث تبدأ دورة إنتاج  جديدة وهي دخول النص الإبداعي كمعطى رئيسي في عملية التذوق التي يحاول فيها المتلقي إنتاج ما يمكن أن نطلق عليه “نص المتذوق” وهذا يعتمد على قدرته على اكتشاف الأسرار البلاغية  والمعاني الخفية وراء النص والصور الجمالية التي تحتاج إلى درجة عالية من الإدراك الروحي الذي يؤهله إلى استدعاء الأبعاد الميتافيزيقية   ليصل إلى نسخة أقرب إلى النص الأصلي للشاعر أو المبدع ولكن ذلك لن يتحقق أبداً حتى إذا أعاد الشاعر كتابة قصيدته من جديد بعد فقدان النص الأول ،  فإنه سينتج نصاً جديداً . ذلك لأن لحظة الإبداع فريدة ولن تكرر . وكثيراً ما يفشل الشاعر في إستعادة  نص شعري كتبه ونسيه وقد حاولت ذات مرة أن اعيد كتابة قصيدة ضاعت مني ففشلت وكتبت قصيدة أخرى بعنوان “قصيدتي التي ضاعت” ويمكن أن نقول إن ضياع النص يحدث نتيجة لضياع لحظة الإبداع.
******
أما  المتذوق فإنه  يعكس العملية الإبداعية بدءاً من النص الذي أنجزه الشاعر في لحظته الإبداعية الفريدة محاولا تفكيك النص وتحليله ليصل إلى نقطة التماس التي وصل إليها الشاعر  بين إطاري عالم الطبيعة وما وراء الطبيعة وهي لحظة الإبداع ليتحصل على ذات المتعة  التي أحس بها الشاعر في لحظة الإبداع باعتباره ، أي الشاعر ، أول متذوق لمنتجه بعد أن يفرغ من نَصَبِ المخاض الشعري ورهقه ويعود من عالم الغيب إلى عالم الطبيعة ومن دنيا الخيال دنيا الحقيقة وبذلك ينضم إلى جمهور المتذوقين لشعره فهو الآن إنسان عادي قد يكتشف أبعاداً جديدةً في نصه لم يستطع إدراكها وهو  مستغرَقٌ في عملية التأليف يتناول اللبنات من هنا وهناك ويضعها في المكان المناسب لها حسب ما تمليه عليه قوى خفية لا يعرف ما هي ومن أين تصدر .
ولذلك يشعر الشاعر بالسعادة  عندما يجد من يشاركه هذه اللحظة فالشاعر والمتذوق سواء أمام  العمل الإبداعي  ، فهو كصاحب الحلم او الرؤيا التي تحتاج من يفسرها  وهنا يتلقى الشاعر نصه برؤية جديدة لم تخطر على باله أثناء وبعد الكتابة
كان المتنبي إذا سئل  عن تفسير بعض ابياته  يقول: «إسالوا ابن جني فإنه اعلم بشعري مني»
وهذا دليل على أن الشعر حالة تتلبس الشخص الذي يملك الاستعداد الفطري والشفافية الروحية العالية التي تؤهله لاستقبال الوحي الشعري ، أو قل الإلهام ، وهذا يؤكد ما قلنا آنفاً إن الشاعر بعد الفراغ من لحظة المخاض الشعري يحتاج إلى مفسر لشعره كما قال المتنبي عن إبن جني .أو كما يحتاج صاحب الحلم إلى مفسر أحلام مثلما فعل عزيز مصر مع سيدنا يوسف عليه السلام .

نواصل إن شاء الله

صديق المجتبى
٢٣/٥/٢٠٢٢

المزيد من المواضيع: