اللص

  • بقلم: محمد فاروق
    * إقترب أذان المغرب ، و العصافير قد بدأت تعود الى أعشاشها ، الأطفال يلعبون ، و أنا اجر أقدامي بما تبقى لدي من طاقة ، عائداً الى المنزل ، يجبرني عدم إستواء الطريق الترابي الضيق ، وحفره الكثيرة ، على التمايل كالمخمور الذي رمى جل همومه في الحانة ليلاً ، وعاد قاصداً سريره لينام.
    على طول ذلك الطريق ، كنت شارد الذهن ارى الناس ولا أُبصرهم ، لكني أشعر بوجودهم من حولي، و في لحظة ما عند إنفتاح الطريق على ميدان الحي ، رأيت تجمعاً من الناس يحاوطون رجلاً واحد ، بعضهم يضربه والبعض الاخر يتفرج ، واخرون قد تولو مهمة التصوير، كان الغبار يعلو دائرتهم ، فانتابني الفضول لكي اذهب لأفهم ما الذي يحدث.
    – قلت: ماهذا ياناس ؟
    – قال احد المتفرجين: ده حرامي بتاع ورنيش سرق جلابية بلة بتاع الدكان.
    – وكل هذا الضرب من اجل الجلابية ؟
    – اي عشان ما يكررها تاني.
    رفعت رأسي حتى ارى جيداً ، فوجدت الرجل قد سالت دمائه وقطعت ثيابه ، حتى فقد القدرة على الوقوف على قدميه ، كان يجر جسده بالارض جراً ، فإن إستطاع أن يقف على اقدامه لكي يذهب ، إنهالو عليه بالضرب مجدداً.
    تذكرت من ذلك المشهد ماقاله ممدوح عدوان في كتابة حيونة الإنسان ، إن الإنسان وحده هو من يتفنن في تعذيب أبناء جنسه ، فما يفعله هؤلاء الناس لا تفعله الحيوانات مع أبناء جنسها، نعم هي تقتل لتأكل ، وذلك من أجل البقاء ، ونحن ايضاً نقتل لناكل بالاضافة الى أننا نقطع الحيوان ، ثم نضع عليه نكهات ،ثم نضعه على نار هادئه.
    أخذت اضع جل تركيزي على من يتولون مهمة الضرب ، فكانو دكتور عمر ، وبله صاحب الدكان الذي سرقة جلابيته ، و نصرالدين الذي كان يعمل بمحلية الولاية.
    والعجيب في الامر ، ان الدكتور عمر ، عرف عنه انه ياخد سعراً غالياً من أجل الكشف على المريض ، دون ادنى إهتمام بتشخيص المرض جيداً ، فالمريض بالنسبة له ليس سوى حفنه من المال ، و بله صاحب الدكان كان يزيد أسعار البضاعة اكثر من المعروف ، و يخدع الاجانب، اما السيد نصر الدين ، بسبب ما يملك من سلطة ، كان يقف لأصحاب الدكاكين مهدداً إياهم بأخذ بضاعتهم و ادوات رزقهم رهينة حتى يدفعو له الرشوة ، يطارد بائعي الفواكه بعربات اليد حتى تتساقط فواكههم على الأرض ، ويمر يومياً على بائعات الشاي والقهوة ليشرب ما يريد مجاناً ، وذلك لسماحه لهم بالعمل في تلك الاماكن التي ليس فيها سوى التراب ، والويل لمن تعترض او تطلب منه ثمنا لما يشرب.
    انهم ليسو سوا لصوص كبار لديهم قيم اجتماعية يحتمون بها ويقفون خلفها ، يضربون لصاً اخر ليس لديه تلك القيم لتحميه من غضب القطيع.
    حاولت أن ابدي رايي بأن هنالك قانون ، وأن هذا ضرر نفسي لا يصح ، فرد علي احدهم قائلاً ، إذهب انت واعتني ببنتك التي تعود عند منتصف الليل ، لم اغضب وقتها ولم أُحرك ساكناً ، لأي كنت اعلم ذلك الأسلوب ، وهو إسقط الشخص ، تسقط فكرته.
    حركت اقدامي عائداً أدراجي إلى المنزل ، و كثير من الناس مازالو  يهرولون إلى الميدان لكي يتفرجو ، او لكي يشاركو في الضرب ،  سمعت صوت أحدهم يقول ، جيبو شطة ، فرد بلة صاحب الدكان مؤيداً للفكرة ، واصفاً لأحدهم الرف الذي توجد فيه الشطة.
المزيد من المواضيع: