ماذا تعرف عن الحرب الأهلية الأمريكية؟

ماذا تعرف عن الحرب الأهلية الأمريكية (1861 – 1865) :
حرب أهلية نشبت في الولايات المتحدة الأمريكية بين الحكومة الفدرالية التي عرفت “بالاتحاديون” مقابل أحدا عشر ولاية جنوبية متمسكة بالعبودية. أسست هذه الولايات ما سمي الولايات الكونفدرالية الأمريكية و أعلنت انفصالها عن باقي الولايات الشمالية. تسلم قيادة الولايات الجنوبية الرئيس جيفرسون ديڤيس، أما قوات الاتحاد فكانت تحت قيادة الرئيس ابراهام لنكولن والحزب الجمهوري الذي كان يعارض توسيع العبودية ويرفض أي إعلان بالانفصال للولايات الجنوبية. بالرغم من اسم الحرب الأهلية فإن القوات الكونفدرالية الجنوبية انحصرت رغبتها في الانفصال وليس السيطرة على الحكومة المركزية (الفدرالية) . بدأ القتال في 12 أبريل 1861 عندما هاجمت القوات الكونفدرالية قوة فدرالية في معركة فورت سومتر .

عُرفت الحرب الأهلية باسمي الحرب بين الولايات وحرب الانفصال أيضًا. بدأت الحرب في 12 أبريل 1861م عندما هاجمت فرقة جنوبية موقع فورت سمتر العسكري في تشارلستون، واستمرت الحرب أربع سنوات كاملة، ثم انتهت باستسلام الجيش الجنوبي بقيادة روبرت لي للقوات الشمالية.

يتفق معظم المؤرخين على وجود أسباب كثيرة للحرب الأهلية الأمريكية، ويركزون على الفارق الإقليمي بين الشمال والجنوب من حيث الاختلاف في الوضع الاقتصادي، وفي المفاهيم الفكرية، وأساليب المعيشة، ويشيرون إلى المنازعات بين الحكومة الاتحادية والولايات حول سلطات تلك الولايات، ويذكرون تخبط السياسيين، وفقدان النظام في الحياة الحزبية خلال خمسينيات القرن التاسع عشر. ومع ذلك، فإن جميع التفسيرات تشير إلى مسألة الرق أو تدور حولها.

الانقسام
كانت حياة أهل الجنوب تعتمد أساسًا على زراعة التبغ في أراضيهم الخصبة والمناخ الدافئ المناسب له؛ لذلك استرقوا الأفارقة للقيام بهذه المهمة، بينما انشغل أهل الشمال بالأعمال التجارية، إذ كان الجو البارد والأرض الصخرية في الشمال تحول دون إمكانية التوسع في الزراعة. وقد دأب الشماليون على العمل الجدي والتركيز على التعليم والاقتصاد الحر، مدركين أن من حق المجتمع ومسؤوليته أن يقرر إن كان أي نشاط أو فعالية فيه تنسجم مع السلوك الأخلاقي أم لا. وكانوا يتطلعون إلى التحديث والتغيير والمستقبل الأفضل، بينما كان الجنوبيون متمسكين بوضعهم دون تغيير، مستسلمين إلى الإحساس بالرخاء الاقتصادي الناتج عن الأعمال الزراعية دون رغبة في التفكير في تغيير نمط حياتهم.

النزاع حول نظام الرق
تكاملت الولايات الأمريكية الثلاثة عشر وواجهت بجيشها الوليد والموحد الجيش البريطاني العتيد بهدف الاستقلال حتى نالته بعد إعلان الاستقلال بأعوام قليلة، وقد تمت صياغة الدستور الأميركي بشكل يضمن نوعا من التوازن الدقيق بين الولايات المختلفة آخذا في الاعتبار أحجامها المختلفة بشكل مثّل سابقة فريدة من نوعها في الأنظمة السياسية التي كانت سائدة في العالم الحديث، وقد تغلبت هذه الدولة الوليدة على كافة المصاعب بمرور الوقت، ولكنها لم تستطع وقاية نفسها من شرور الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1861 والتي كانت حربا مختلفة بعض الشيء، فهي لم تكن مرتبطة بمحاولة ولاية أو أخرى تغيير النظام السياسي للدولة أو عملية إعادة توازن أو توزيع للقوة، بل كانت لأسباب اقتصادية اجتماعية في الأساس.

لا يختلف أغلبية المؤرخين في اعتبار العبودية السبب الأساسي وراء اندلاع هذه الحرب الأهلية، ولولاها لما اندلعت هذه الحرب، فلقد كانت التركيبة الاقتصادية والاجتماعية الأميركية تختلف عن مثيلاتها في العالم، فولايات الشمال القوية كانت تعتمد في الأساس على القاعدة الصناعية وبدرجة أقل الزراعة، وهو ما ساهم بشكل مباشر في خلق بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة عن ولايات الجنوب التي اعتمدت على الاقتصاديات الزراعية في الأساس، فلقد أدى هذا النمط من التطور والتنمية في الشمال إلى خلق بيئة فكرية وثقافية وطريقة حياة مختلفة بشكل كبير عن الجنوب الذي لم يستطع بدوره أن يطور من نفسه بالشكل المطلوب، فلقد كانت اقتصاديات الولايات الجنوبية تعتمد في الأساس على الزراعة، خاصة زراعة القطن والسكر والتبغ وغيرها من السلع التي كانت تدر عائدا ماديا عاليا Cash Crops، وقد نتج عن ذلك اعتماد مباشر على العمالة التي لم تكن متوفرة بيسر بين أبناء طبقة ملاك الأراضي، وبالتالي ظهر توجه للاعتماد على الرق لزراعة الأراضي، فهذه الزراعات تحتاج إلى عمالة كثيفة Labor Intensive، وكلما توسعت دول الجنوب في التطور الاقتصادي الزراعي زادت الحاجة لمزيد من الرق، وتشير بعض الإحصاءات التاريخية إلى أن حجم العبيد الأميركي عند الاستقلال لم يتخط السبعمائة ألف، ولكن هذا الرقم قفز بشكل مباشر إلى ما يقرب من مليونين بحلول عام 1830. ثم قفز مرة أخرى إلى قرابة 4 ملايين بحلول عام 1860.

ورغم ذلك فإن ولايات الجنوب الأميركي لم تسع في أي مرحلة من مراحل تطورها لإدخال الصناعة لتخفف من حدة اعتمادها على الزراعة أو تُحدث تنويعا مطلوبا، وقد تعددت الآراء في السبب وراء هذا التكاسل الصناعي فمنها الآراء التي أرجعته إلى عدم ملاءمة البيئة الجنوبية لمثل هذه الحداثة، كما أن العبيد لم يكن من الممكن الاعتماد عليهم لمحاولة إقامة هذا النظام الاقتصادي، وبالتالي انحصرت القاعدة الصناعية في الجنوب على الصناعات المرتبطة بالزراعة مثل المنسوجات وغيرها، وقد أدى هذا إلى تطور اجتماعي للجنوب يختلف تماما عن الشمال، حيث انزلق هذا المجتمع في توجهاته الاجتماعية ومن ثم الثقافية المختلفة، فأصبح مجتمعا محافظا مبنيا على أشكال تشابه أنماط التطور في القرون الوسطى الأوروبية بتركيبة اجتماعية مختلفة تماما عن ولايات الشمال، وهو ما جعل الهوة تتسع بين الأهداف والمصالح في الشمال مقارنة بالجنوب. حقيقة الأمر أن بذور الحرب الأهلية بدأت منذ تأسيس الولايات المتحدة الأميركية، فالتركيبة السياسية والاجتماعية دفعت الكثير من المفكرين ورجال الكنيسة والساسة لمحاولة القضاء على ظاهرة الرق وهو ما نظرت إليه ولايات الجنوب باعتباره سببا مباشرا في ضرب بيئتها الاقتصادية والاجتماعية، وقد بدأت الأصوات المنادية بالقضاء على العبودية، وكان منهم بطبيعة الحال ساسة ومفكرون ممن ساهموا مباشرة في صياغة وثيقة الاستقلال وعلى رأسهم «جيمس ماديسون» و«جون آدمز Adams»، ولكن هذه الحركة لم تخرج عن نطاق النداءات المجردة لتحرير الرق وتحريمه، ولم يكن من المستغرب أن تندلع هذه الحركة تدريجيا من ولاية «مساتشوستس» التي كانت مصدر حرب الاستقلال وأكثر الولايات تحضرا وثقافة، ولكن هذه الحركة سرعان ما بدأت تنتشر في الولايات الأخرى، ثم في ولايات الجنوب ذاتها، وبدأت حركة اجتماعية واسعة تطالب بضرورة التحرير، وسرعان ما اندلعت نيران التحرير إلى الجنوب أيضا، فبدأت تظهر الأصوات المنادية بإنهاء العبودية، ولكن المقاومة الجنوبية بدأت تظهر، حتى إن كثيرا من الكنائس في الجنوب بدأت تسعى من أجل وضع التبرير المناسب لهذه الظاهرة الاجتماعية على أسس دينية، مستندة إلى أن الرق وارد في العهد القديم والجديد على حد سواء دون التحريم، وأن السيد المسيح لم ينه العبودية، كما أن الحركات السياسية المناهضة لم تتأخر أيضا في هذا الاتجاه، وبحلول العقد الرابع من القرن الـ18 بدأت المناوشات السياسية داخل الكونگرس حيث سعى الكثير من الساسة لمحاولة استصدار تعديلاتهم الدستورية من أجل إلغاء الرق في الجنوب وهو ما واجهه ممثلو الجنوب بحروب كلامية وسياسية كبيرة للغاية في الكونگرس.

حقيقة الأمر أن هذه الحرب اندلعت في الكونگرس الأميركي قبل ساحات المعارك المختلفة على مدار 4 سنوات تلت ذلك، فبحلول عام 1818 صارت هناك 22 ولاية نصفها يجيز الرق والنصف الآخر يرفضه، وقد تم التوصل إلى حالات كثيرة من التوافق السياسي لمعالجة هذه الأزمة، منها «توافق مزوري» الذي أجاز العبودية في ولاية «ميزوري» ومنعها في ولاية مين ثم تفجرت الأزمات بعد ذلك عندما توسعت الولايات المتحدة على حساب المكسيك، فماذا سيكون مصير الرق في هذه الولايات؟، وقد دخلت الولايات المتحدة في شبح الحرب بحلول خمسينات القرن التاسع عشر، وكان الحل هو مزيد من المواءمة والتوازن داخل الكونغرس وفي هذه الولايات حيث قرر الكونغرس أن يترك لهذه الولايات تحديد موقفها من مسألة الرق، خاصة ولايتي نيومكسيكو ويوتاه، وقد عُرف ذلك فيما بعد بالمواءمة 1850، خاصة بعدما تقرر أن تنضم ولاية كاليفورنيا إلى الولايات المتحدة على أساس أنها ولاية مستقلة لها حق إجازة الرق من عدمه في إطار ما عُرف «بالسيادة الشعبية»، بينما تقرر على صعيد آخر تغليظ عقوبة العبيد الهاربين. وعلى مدار حقبة الخمسينات بدأ الحوار حول الرق يأخذ طابع التوترات السياسية إلى أن تحول في إحدى المناسبات للتطاول بالأيدي داخل الكونغرس، وهو ما كان يُنذر بأن انتشار العنف في الولايات أصبح مسألة وقت لا غير، وكانت ولاية كانساس هي المرشحة لتشهد ساحات من العنف جراء هذا النقاش المحتدم. وهكذا أصبح القتال هو الحل الوحيد عندما تحول المشهد السياسي إلى خلاف بين الشمال والجنوب حول الرق خلافا سياسيا ممتدا إلى طريقة الحياة الجديدة التي ستنتهجها الولايات المتحدة، وهذا كان لب الأمر، فالحرب الأهلية أصبحت هنا أداة لتغيير طريقة ونمط الحياة وأسلوبها بين الشمال والجنوب كما سنرى.

قام الكونجرس الأمريكي بإصدار بعض التشريعات التوفيقية في سنة 1850م، على أمل أن تساعد في حل مشكلة الرق، من ضمنها قانون يسمح ببقاء نظام الرق على أن تمنع تجارته في واشنطن دي.سي، وقانون آخر صارم يطالب الشماليين بإعادة العبيد الهاربين إلى أصحابهم، وقد قاوم الشماليون هذا القانون بتنظيم أسلوب لتأمين هروب العبيد الفارين من أسيادهم. وفي 1854م أجاز الكونجرس قانون كانزس-نبراسكا الذي بمقتضاه نشأت ولايتا كانزس ونبراسكا وأجيز الاسترقاق فيهما، كما أصبح لأي ولاية جديدة الحق في إباحة الرق أو تحريمه فيها بالتصويت العام.
في سنة 1857 عرضت قضية أحد العبيد، واسمه دريد سكوت، على المحكمة العليا في الولايات المتحدة. وكان قد ادعى الحرية لأنه كان من قبل يعيش في ولاية حرة ومنطقة حرة. لكن قرار المحكمة رفض ادعاء سكوت وقضى بأنه لا يحق لأي أسود أن يصبح مواطنًا في الولايات المتحدة، وأنه ليس باستطاعة الكونجرس إبطال الرق، في المناطق. وذلك ما أغضب الشمال وبرهن على أن الخلاف حول الرق لا يمكن حله قضائيًا.

المزيد من المواضيع: