حين تنسكب المجاعة في العقول

حين تنسكب المجاعة في العقول

صديق المجتبى
(١)
الشباب هم الذين يصنعون الثورات في كل عصر من العصور لأنهم شبابٌ وهذه الكلمة لا تعني سن الفتوة والقوة الجسدية فحسب وإنما هي مرحلة من مراحل الجسارة والاقتحام والخروج على العهد إذا بليَ والعهد هو ما تواثق عليه الناس وتعاهدوا مع الحاكم أن يصونوه قال تعالى ( إن العهدَ كان مسؤولا) والجيل القديم قليل الإقدام على التغيير وقليل منهم من يقتنص روح العصر الجديد بما فيه من رؤى ومفاهيم جديدة وأولئك هم العلماء والحكماء والمفكرون وصناع الوعي ، وأولئك هم القاادرون على استشراف المستقبل وصياغة عهد جديد يتجاوزون به كل عيوب الماضي ومثالبه وهؤلاء الذين يوفرون مرجعية فكرية جديدة لثورة التغيير وآلياتها وليس كل هبةٍ أو انتفاضة ثورة مالم يكن لها تصور أو رؤية للتغيير تتجاوز تغيير النظام الحاكم الفاسد الذي هو جزء لا يتجزأ من فساد العصر وانحطاطه.
(٢)
ولِتَكونَ الثورة مكتملة الأركان لتطال الإنسان ، أداةُ التغيير وغايتُه ، بمعنى إصلاح المجتمع الذي تم تنميطه على حالة الجمود والإذعان للحكام ، ولذلك كنت أقول دائما ( التنوير قبل التغيير) أما الثورات المطلبية والتي تقوم تحت وطأة الجوع والغلاء ما يطلق عليها ثورة الجياع وقد لا يكون كل الثوار الناشطين في حراك الثورة يثورون طلباً للغذاء ويعلمون لماذا صار الناس جياعاً ويعلمون ما يقف وراء الفقر والجوع من عوامل أولها الفقر الذهني كما قال فقيد الامة العربية وافريقيا محمد الفيتوري رحمه الله:- في قصيدته المربدية التي نال بها جائزة صدام للآداب وهو أول من من وضع نظرية الجوع الذهني أو المسغبة الفكرية والتي ستؤدي إلى حالة الجوع المادي
فقال :-
“ﻟﻢ ﻳﺘﺮﻛﻮﺍ ﻟﻚ ﻣﺎ ﺗﻘﻮﻝ
ﻭﺍﻟﺸﻌﺮ ﺻﻮﺗﻚ
ﺣﻴﻦ ﻳﻐﺪﻭ ﺍﻟﺼﻤﺖ ﻣﺎﺋﺪﺓ..
ﻭﺗﻨﺴﻜﺐ ﺍﻟﻤﺠﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ”
فالصمت والخنوع والجهل هم أسباب المجاعة . قال الكاتب الأمريكي أوسكار لويس في كتابه (ثقافة الفقر ) The Culture of Poverty
(الفقر حالة في الذهن )
Poverty is a state of mind
(٣)
إن مصطلح ثورة الجياع ينطوي على مفهوم سياسي فيه تغبيش للوعي بالمفهوم الحقيقي للثورة وفيه اختزال وتبسيط مخل الثورة التي كان خروج الجياع أول مظاهرها وأشراطها ، هذا المفهوم يطلقه السياسيون الذين يرفعون شعارات مطلبية للجماهير فيعدون بتوفير الغذاء والحياة الرغدة دون أن يقدموا مشروعات نهضوية تستوعب مؤسسات الدولة والمجتمع ليستشعر كل فرد فيها دوره في تحقيق النهضة وتحصيل النماء وهذا لن يتحقق إلا إذا استطاع المفكرون الخروج بمفهوم الثورة التقليدي الذي ينحصر في الإطاحة بالأنظمة الفاسدة إلى مشروع متكامل للتغيير يخاطب جذور المشاكل التي أدت إلى تخلف البلاد منذ الاستقلال إلى يومنا هذا مع مراجعة علمية ونقد موضوعي للفكر السياسي ومؤسساته التقليدية التي ظلت تدور بالبلاد في دائرة خبيثة من الفشل وقصور الرؤية وانحصارها في ممارسة اللعبة السياسية القذرة .
(٤)
لا بد من بلورة مفهوم العقد الاجتماعي The Social Cntract للقضاء على العلاقة السالبة بين الدولة والمجتمع أفراداً ومؤسسات ليكون للجميع واجبات والتزامات تجاه الدولة وحقوق له عليها يحترمها ويؤديها الطرفان ويتحاسبان عليها ، فالحكومة تدعي أنها سترفع المعاناة عن كاهل الجماهير دون أن تكرس قيم البذل والعطاء والانتاج وتستنهض قدراتها وتنمّي مواردها البشرية وتعمل على بناء ثقافة الإنتاج ليزداد دخل الفرد وليسهم بفاعلية في تحقبق التنمية والقضاء على ثقافة الاستهلاك والجمود ومتلازمة الاعتماد على الغير ، والشعب الذي ينتظر من الحكومة أن تقدم له السلع والخدمات وتحقق النهضة والرفاه وهو يتهرب من الضرائب ويتقاعس عن العمل وأداء واجباته تجاه الدولة بل يستحل الاعتداء على ممتلكاتها وأخذها لنفسه وهو ما يطلق عليه “الميري” في ثقافتنا الشعبية ، والميري هو ما يعطى أو يؤخذ بدون مقابل وأصل الكلمة من الميرة وهي الإغاثة والتموين قال تعالى في سورة يوسف على لسان أبناء يعقوب ( قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا رُدت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ) صدق الله العظيم
ألسنا أصحاب المثل القائل ” دار أبوك كان خربت شيل ليك فيها شليِّة” وهذا المثل السيء يدعو إلى مزيد من الخراب والدمار بدلاً من التفكير في الإصلاح
(٥)
والسبب في فشل ثوراتنا وضياعها هو عدم موسسة الوعي الثوري لدى الثوار Institutionalization
أي تحويل الأفكار والمفاهيم والقيم الثورية الجديدة إلى أطر مؤسسية تتواءم مع أهداف وشعارات الثورة بهدف التجديد والإصلاح لا لإستنساخ الأطر السياسية لتقليدية القديمة التي كانت هي السبب الرئيس في الردة والانتكاسة بالثورة إلى القيم والتقاليد والأساليب التي كانت تمارسها المؤسسات الحزبية وحكوماتها والنظم الشمولية التي ثار عليها الشعب وشبابه وهنا “تعود حليمة لي قديمها “.
(٦)
قال الشاعر التجاني يوسف بشير مفرقاً بين الإشرئبابة أو التطلع للتغيير وهي تمثل ٱمال وأشواق الشعوب وهي حالة الحلم الثوري الذي استنهض الشعب للخروج ضد حكامه ، ومرحلة الطفر وهي إشارة للقفز إلى الأمام محطمين كل الأغلال وأسباب التقاعس والنهوض وهذا الدور أسنده التجاني إلى الشباب فقال ذلك كله في بيت واحدٍ :-

“حسنٌ قيامُ الشعب واشرئبابُه
والوثبة الأولى وطَفْرُ شبابِه”
(٧)
هكذا يتكامل دور الشباب في تحقيق الآمال والأشواق المكبوتة في ضمير الأمة اللا معبر عنه صراحة واللا مفكر فيه لدى الحيل القديم الذي أصابته آفة التنميط والتماهي مع العهد القديم والحنين إلى الماضي ورفضهم لدعوات التجديد والإصلاح . وقد وقفوا ضد الرسالات السماوية الداعية إلى الإصلاح والتجديد قال تعالى :-
﴿وَكَذَ ٰ⁠لِكَ مَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِی قَرۡیَةࣲ مِّن نَّذِیرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَاۤ إِنَّا وَجَدۡنَاۤ ءَابَاۤءَنَا عَلَىٰۤ أُمَّةࣲ وَإِنَّا عَلَىٰۤ ءَاثَـٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣] الإصرار والعناد على النمط القديم وقيمه ومؤسساته هو ما تواجهه ثورات التغيير على مرّ التاريخ الإنساني من قبل المترفين أصحاب المصلحة في استمرار الجهل والظلم والفساد لأن الرسالات السماوية تدعو للعدل والحرية والمساواة ومعاقبة الفسدة والظالمين مهما علا شأنهم وعَظُمَتْ مكانتهم في المجتمع .
(٨)
أخيرا واعتذر للإطالة
إن الأحزاب القائمة الآن والتي تتصدر المشهد السياسي السوداني برموزها وأفكارها وتاريخها العريق في الفشل وتدبير الانقلابات لن تقدم أكثر مما أعطت وليس لديها أفكار ورؤى جديدة ومشروعات لنهضة السودان وهم يمثلون المؤسسات السياسية الكابحة لتنمية البلاد ونهضتها وقد هَرِمَ زعماؤها وشاخت مؤسساتها وتآكلت جماهيرها وذابت دوائرها المقفولة وخرجت من الظلمات إلى النور في ظل انتشار التعليم وثورة المعلومات وتفاتح الشعوب والأمم في ظل تورة الاتصالات وتدفق المعلومات التي صارت في متناول أطراف البنان
فأين يدهبون ؟
بالله انظروا ماذا فعلت ثورة الإنقاذ التي جاءت بإنقلاب على نظام فشل في إدارة البلاد وأوردها موارد الهلاك وكادت تتخطفها الأمم وكيف قاومت أقسى حصار في تاريخ العالم وأشرس حركات تمرد مدعومة من كل الدول الاستعمارية الطامعة في مواردنا عبر نخب عميلة ، وكيف قدمت مشروعا نهضويا والسنة وفكراً جديداً للخروج من دائرة الفقر والجهل والمرض فصار السودان رقماً عالمياً في الإقتصاد إذ سجل الاقتصاد السوداني معدل نمو حقيقي بلغ حوالي 5.7% في عام 2018 بشهادة تقارير البنك الدولي دون الاعتماد على البنك الدولي نفسه وسياسة الاعتماد على الذات والاستغناء عن مؤسسات التمويل الغربية التي تجني فوائد أضعاف أصل الدين كلما تطاول زمن السداد. ثورة ديسمبر المصنوعة جاءت للإطاحة بهذا النموذج النهضوي الخطير فلذلك انتهجت قحت نهجا تدميرياً بدون بديل فآلت البلاد إلى ما آلت إليه من فقر وجوع ومرض وفوضى لا زالت تنادي بالتغيير بلا هدىً ولا كتاب منير
فالفقر والجوع والإبادة الصامتة لشعب السودان هم أهداف المشروع الغربي الذي يجري تنفيذه تحت مظلة الخدعة الكبرى التي أطلقوا عليها ثورة ديسمبر وأراقوا فيها دماء وأزهقوا نفوساً بريئة
مالكم كيف تحكمون

صديق المجتبى
١١/ أغسطس/ ٢٠٢٠

المزيد من المواضيع: