قراءتي في رواية جريمة في رام الله

قراءتي في رواية« جريمة في رام الله» للروائي الفلسطيني عباد يحيى على.

بقلم: سارة سليم

قرأتُ عبارة لأورهان باموق يتحدث فيها عن الفوضى الخلّاقة التّي تتركها فينا بعض النصوص الأدبيّة، إذ يقول: «‏في الروايات هناك مساحات ظليلة، مساحات حيث لا أحد فيها على حقّ، ولا أحد لديه الحقّ في أن يقول ما هو الحقّ. وهذا ما يجعلُ من كتابة الروايات أمراً مشوّقاً».
هذه العبارة العميقة تقفز مباشرة إلى ذهني دون تفكير، وأستَشْعِرُها حين أقرأ عملاً ما دون غيره، ذلك أنّ ليس كلّ ما نقرأه يجبُ أن نفسّره بالمسطرة والقلم، فأحياناً قوّة بعض النصوص في كونها لا تخضع للتفسير المُتعارف عليه، خاصّة في تلك المساحات التي عبّر عنها باموق بقوله «الظليلة»، ويمكنُ تفسير ما قاله بأنّ الرواية تعبّر عن البشرية وهواجسها وأحزانها، دون محاولة الخضوع لأحكام الواقع وقوانينه، لذا أعتقد أن الأدب وُجد ليقول كلمته التي تنتصر في الأول والأخير للإنسان الذي وُجد هو الآخر ليستحقّ عالماً وحياة أفضل مهما كان مختلفاً، ذلك أنّ الاختلاف هو أصلُ التشابه، فنحنُ نتشابه كبشر في ما نختلفُ فيه، وهنا تتكثّف قوّة العلاقات الإنسانية، ما يُحيلني لعبارة لعبّاد يحيى في روايته «جريمة في رام الله»، إذ يرى أن القصص الخالدة «التي تدمغُ خيالاتنا الرومانسية وتفتنُنا، هي تلك التي تكسر هذه الحسابات، أو ترفض الاستسلام للخسارة الواضحة، ويقرّر أصحابها المخاطرة والتجريب».
لعلّ هذه العبارة تكشف للقارئ أنّ «جريمة في رام الله» (منشورات المتوسط، ميلانو) روايةٌ تخاطر بقول الحقيقة في شكلها الصادق، تلك التي يحاولُ بعضهم وضعَها في إطار المسكوت عنه، وإلباسها ثوب الصّح والخطأ من منطق المجتمع الذي اعتاد على قول كلّ شيء تحت الطاولة، إذ لم يعتدْ على قول الحقيقة كما هي، فنحن عندما نعرفُ نقوى، وعندما نهادن سنظلّ دائماً بوعي ناقص. يقول الراوي في «جريمة في رام الله»: «كلّ شيء ناقص. نقصٌ يحكم كلّ ما حوله. البناية تلك فيها شيء ناقص، المطر ناقص، طلاب المدارس فيهم شيء ناقص، رفوف البضاعة في السوبرماركت القريب فيها شيء ناقص».
ففي هذه الرواية سردَ الكاتب الحقيقة الروائية دون كذب، ذلك أنّ الحقيقة الروائية أصدق بكثير من حقائق الحياة التي تلبس دائماً طاقية إخفاء، ما ذكّرني بعبارة تُنسب لشكسبير يقولُ فيها «لا حقيقة تاريخية سوى الحقيقة الأدبية»، إذ إنّ المتابع للحقيقة الروائية يقتفي أثر تفاصيل الحكايات داخل الروايات، نقاط التقائها وزوايا الاختلاف، فهي لا تشبه الواقع الحقيقي، لكنها واقعيّة أكثر منه، لكونها انطلقت من وعي، ومن تفكيك بعض التمظهرات التي أعادت تشكيل الوعي، كنظرة الشاب لنفسه من خلال مجتمعه، وإن تحدّثنا عن المجتمع الفلسطيني،فسيخطر على بالنا بالتأكيد الشهادة وفلسطين الثورة، لكن لن يخطر على بالنا الشاب الفلسطيني في أصدق لحظاته العادية، أحلامه، انتكاساته، وحتى أخطائه، فالمثلية ليست حالة تريد الرواية الخوض فيها، وإنما تريد التحدث عن التصور العام لفلسطين، وذلك من خلال شبابها الذين حُمّلوا الماضي بكل تبعاته، وماضي فلسطين ليس كأي ماضٍ. هنا يريد عبّاد يحيى كما في كل أعماله أن ينتصر للإنسان، وللشاب الفلسطيني في «عاديته» دون تصويره من زاوية الإعلام والحرب والثورة، بل من خلال النظر إليه من زاويا أخرى.
في الرواية عبارات قد تبدو بسيطة لمن يقرأها قراءة عامة، لكنّها تقول الكثير، كالعبارة التي يقول فيها الراوي: «حتّى ركوبكَ في حافلة نقل عامّة ومشاهدتكَ من خلف الزجاج للمشاهد نفسها التي تراها كل يوم، العمّال الكسالى يشرعون أبواب متاجر معلّميهم، عمّال النظافة المتأخّرون المتبرّمون، العجوز تحمل مشترياتها قبل طلوع الشمس، الشرطي البليد يشربُ القهوة. سيغدو هذا كله وكأنه مشهدٌ سينمائي خالد مليء بالعَبرات والدموع، بل ستنطلق في حياتكَ موسيقى تراجيدية، لحنٌ خالد كلحظاتكَ كلها».
هنا مشهدٌ دقيق للحياة العامة بعيون شاب يحاولُ أن يكتشف الحياة خارج الصورة التي وُضع فيها، كما أنه في الوقت نفسه كره من المشاهد نفسها، إذ وقفتُ مطولاً عند العبارة التي وصفَ فيها الشرطيَّ بالبليد الذي يشربُ القهوة.
خلّد عباد يحيى في الرواية للأشياء العابرة، وهذا حال الأدب الجيد على مر العصور، يقول «کارلوس فوينتيس: «رهان الأدب الكبير هو أن نجعل من العابر شيئا خالدا».
في الرواية عبارة تفسّر فكرة الرواية التي تتجاوز القراءات السطحية التي خاضت في المثلية بشكل غريب، إذ يقول الراوي: «تصبح الأشياء أخطر أو أسوأ، لا بقيمتها الحقيقة أو بطبيعتها الخاصة، بل بطريقة تعامل الناس معها، بمبالغاتهم إزاء كلّ شيء يرفضونه أو لا يحبّونه». إذ إن كلّ خطأ من وجهة نظر معيّنة يصبحُ بالضرورة خطأ ويبني المجتمع على غراره تصورات خاطئة، فجريمة رام الله بدأت بسرد قصص خاطئة من وجهة نظر المجتمع لتغدو خطأ، وخطأ حقيقيا.
رواية «جريمة في رام الله» لا تخدشُ الحياء كما سيتصورها من اعتاد أن يقرأ قراءة جماعية في حين أنّ القراءة فعل ذاتي، حالها حال الأشياء التي نقوم بها بمعزلٍ عن المجتمع، بل تخدش حياء التفكير الجمعي، والقوالب الجاهزة، والنظرة الكاملة التي نحاول تصورها عن مدينة ما، والتي سنعيشُ على ذكراها، بل لا يمكن أن نصدّق أن باستطاعة هذه المدينة أن تطرح تصورات بخلاف ما نريد أن نراه.
هذه الرواية تقدّم صورة واضحة عن التحولات التي طرأت على الأجيال الحالية، وما تفرزه هذه التحولات، وطبعاً، يقدّم عبّاد يحيى هنا صورة سوية للمجتمع كما هو، حتى وإن لم يتقبل بعضهم الصورة على حقيقتها أو لم يتقبلوا ما لا يودون سماعه، يقول الراوي: «هؤلاء يريدون إهانتي، يريدون بكائي، ويريدون أن أقول لهم ما يودّون سماعه عني وعمّن عرفتُهم، لإشباع فضولهم الممحون».
قوة الرواية أنها تناولت أعطاب المجتمع من زاوية نقدية، إذ راح ينتقد حتى السلطة: «موارد ضخمة تُضَخّ في البلد، ولا بد من مواكبتها، وإنّ رأي الناس صار موضة قديمة، بل إنه لم يعد شيئاً يمكن احتكاره».
لكن المُطّلع على الهجمة الشرسة التي تعرضت لها الرواية، تتراءى له سطحية التلقي في استيعاب مضمونها، أو لربّما أن نماذج كالتي تطرحها هذه الرواية لم تكن مطروقة في الأدب الفلسطيني، لذا جاءت «جريمة في رام الله» كمفاجأة لمن اعتاد أن يتناول الأدب كما يتناول المهدئات.
من الصِّحي عدم إخراج الأدب من أفكاره وآرائه، فهو ليس عقيدة، وإنما هو تصورات تحاول أن تخلق لديك الأسئلة التي من خلالها تنظر للحياة، للمجتمع ولكلّ شيء بنظرة مختلفة، وواعية أيضا.
«جريمة في رام الله» رواية عن الفقد أيضا: «حين رأيتُ دنيا أدركتُ أنني بحاجة لفعل الكثير حتّى أحصل عليها، وحين فعلتُ الكثير أدركتُ أنني فقدتُها»..
.. وعن النقصان الذي ليس فقداً وإنما حالات انشطار تمرّ على الإنسان: «حين حضرتْ أدركتُ أنه ينقصني الكثير، وحين أتممتُ ما ينقصني، اختفتْ».
.. وعن الحبّ المتخيّل الذي نحاول أن نبثَّ فيه الحياة لاعتقادنا أنه ما يكملنا، فنلجأ إلى ما يعوض لا ما يحيي الحياة فينا: «تحوّلتْ دنيا من وجه أرغب بكُلّيّتي أن أجده قُبالتي، إلى شيء موزّع على كل حاجاتي وأفعالي».
أمّا الجريمة في الرواية فهي تحصيلٌ لما يحدثُ في المُجتمعات العربية من ظواهر سلّطت الرواية الضوء عليها، والعنوان برأيي لا يحيل بالضرورة إلى الجريمة المتحدَّث عن تفاصيلها بل إلى الجريمة التي لا نرى لها جثة ولكن نرى لها آثارا وتبعات في كل مكان، كالجريمة ضد الاختلاف، ضد حرية الرأي والتعبير، ضد قول الحقيقة كما هي دون تزييف، فالرواية يجب أن تنقل هواجس أفرادها، لأنها الشاهد على عصرها، إذ خلقت «جريمة في رام الله: لنفسها صوتها الخاص، بعيدا عن صوت الرصاص وما يحدث في فلسطين، وبمنأى عن الجريمة الكبرى بحق هذا الشعب.
تُقرأ رواية «جريمة في رام اللّه» بمُتعة كبيرة، ذلك أنّ الطريقة التّي يُعبّر بِها عبّاد يحيى عن الأشياء تختصر فلسفته الخاصّة، وتصوراته عن المدينة، يقول الراوي: «قادرون على دفع مبلغ ١٥٠٠ شيقل كإيجار شهري، يضمنُ لهم البقاء في تلك المساحة المواربة بين الحيّين. لديهم ما يكفي حتّى لا يكونوا في أمّ الشرايط، وليس لديهم ما يكفي ليكونوا في الماسيون.’
وعن الجسد يقول:» كنتُ أرتقي بجسدي وحاجاته وأطهّره حتّى عن الأمور العادية والمألوفة، كنتُ أحاول أن أمنحَ كلّ شيء قيمة، وأُحَصِّنه، ربّما كان ردّ فعل على امتهان حاجاتي». كما أنّه يرى: «لا يمكنُ لمرّة أن تكونَ الأولى مرتين.’
والأجمل في الرواية أنها انتصرت للإنسان، ووقفت ضدّ ما يُعتقد أنّه صحٌّ دائماً.
سارة سليم

المزيد من المواضيع: