فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا؟

فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا؟
بقلم: عماد البشرى

لا يختلف اثنان أن الابتلاء من أعظم وأقوى نعم الله على العباد فهو عبادة خاصة تفضي بصاحبها إلى عوالم من الفرح والانتصار والتحول من فضاءت الحزن والضيق وعسر النفس ورهق الروح إلى دنياوات من الرضا والسعادة والإيمان التام ويصدق قوله تعالى (فإن بعد العسر يسراً) والابتلاء كأنما هو ثقافة سائدة كونية لا بد منها لكن لكل جزء من الكوكب لون ونصيب من مفهوم الابتلاء فأوروبا مثلا ابتليت بعصور الهمجية والبربرية فسقطت في أتون حروب كادت أن تقضي على الإنسان الأوروبي تماما حتى جاء الفرح بعصور النهضة والتنوير ثم الثورات التي أحدثت تحولاً كاملاً في مفهوم بناء العقل ومكتسباته وتم إطلاق الأفكار التي تحكم اليوم فمن كان يتوقع انهيار سجن الباستيل ومن كان يتوقع أن تجتمع الجمهوريات السوفيتية كل ذلك تم بعد الثورة الفرنسية للأولى والبلشفية للثانية ‘لكن يظل الابتلاء دوما نعمة تجدد دماء الحياة فبعد جهد ونمو الثورة الصناعية في الغرب واحتفاء الكوكب حتى بآلهة الأولمب ونماذج الإلياذة والأوديسا خرج للناس ابتلاء الطمع وما أعظمه من ابتلاء فأفضى لما يسمى (بالكولونيالية) أو فترة الاستعمار وأضحت أوروبا تخترب وتحترق بحربين عظيمتين عالميتين بين كافة أطرافها إلى أن جاء الابتلاء الأعظم في هيروشيما ونجازاكي بقنبلة أمريكا الذرية ورغم أنه ابتلاء إلا أنه أفضى لنعم كثيرة أولها أنها أقسى الحروب في التاريخ ومنها بدأ إعادة بناء الحضارة ومكتسبات العقل البشري بل ذهب الناس لأرقى وأبعد من ذلك قاموا بإعادة صياغة قوانين الحياة ولعل ألطفها قانون الملكية الفكرية وهذه قصة أخرى لها متسع من التفصيل في أبواب آخر.
المهم في الأمر الابتلاء من أعظم النعم كما ذكرت وتحضرني الآن أعظم نعمة للاوروبين وهي الاتحاد الأوروبي فبعد أن مات الملايين في محاولة التسلق والهروب إلى الضفة الأخرى من سور برلين جاء الاتحاد الأوروبي ليجعل الفيصل بين دولة وأخرى خط أبيض كما خطوط المشاء على الأسفلت لا يتصور أولئك الضحايا أن العالم سيصبح هكذا لكنها دوما بارقات الأمل بعد الابتلاء
ترى هل سيتصور شين وا اشيبي الكاتب النيجيري وصاحب (الأشياء تتداعى) أن يصبح إنسان أفريقيا المستعمر بفتح السين والمريض كإنسان رواندا اليوم؟ أو كينيا وتنزانيا رواندا التي رزحت تحت وطأة أقسى حرب أهلية بعد حرب البوير صارت جنة الله في الأرض فبعد الحزن دوما فرح لو يعلم الناس
عذرا سادتي فقد نسيت وأنا أخوض في تاريخ الحروبات رقة ما سطرته من عنوان وأنا أحوم في شوارع الذاكرة دخلت في مقهى قيس ابن الملوح ورائعته الخالدة في حب ليلى التي حرم من الزواج بها فقط لأنه ذكر اسمها صراحة في الشعر فما كان للعربي أن يذكر اسم فتاة شريفة في شعره صراحة والا قامت السيوف مقامها وهو من قال (ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني
وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم)
ربما يظن بعد هذا البيت متوهما لكنه عاشق ومبتلى بالعشق وذكر ذلك صراحة في قوله (قضاها لغيري وابتلاني بحبها
فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا)
نعم ابتلى قيس برحيل ليلى ولم ينعم بها لكنه انعم بنعمة الذكر والخلود بتاريخ العشق النقي هي نعمه فاضت من عصره إلى آخر الحياة وهي إشارة إلى كل البؤساء من لدن بؤساء هيجو حتى آخر البؤساء إن للفجر عيوناً لا تنام وأن حركة التاريخ وإن بدت لا تغفر إلا أنها يوما ما ستنعم على الأرض بآلاف السنابل والا لما أعيد بناء الأمل كما قال صاحب (عودة الوعي) توفيق الحكيم فياسادتي أي ابتلاء ابتليتم؟ عن نفسي ابتليت بآفة البحث عن المعرفة مع غلاء الكتاب ورهق القراءة فهلا بشيء الثقافة ابتلانيا؟

المزيد من المواضيع: