عودة الخلافة أم عودة حاكمية المنهج الإسلامي في الحكم

عودة الخلافة أم عودة حاكمية المنهج الإسلامي في الحكم

بقلم: د. صديق المجتبى
هل يمكن تطبيق نظام الخلافة في عالمنا المعاصر؟
قرأت في الأسافير أن هناك إرشادات بعودة الخلافة الإسلامية وتقسيم العالم إلى أمارات تخضع كلها لخليفة واحد كما كان معمولاً به صدر الإسلام وحتى الدولتين الأموية والعباسية التي أثر عن هارون الرشيد أحد أمرائها قوله لسحابة مرت فوق سماء بغداد ولم تهطل قوله (أنى هطلت يأتني خراج) إشارة لاتساع ملكه وقوة سلطانه الذي تأبى له خيرات الأمصار الخاضعة لحكمه
هذا كان في سياق تاريخي كانت فيه الغلبة الحضارة الإسلامية التي حلت مكان أعظم إمبراظوريتين شهدهما العالم القديم ( الفرس والروم )
هل يمكن عودة الخلافة أو الأمارة في عالمنا المعاصر ؟
2

العالم الغربي بقيادة أمريكا والمعسكر الشرقي بقيادة روسيا لن يقبلوا بعودة الخلافة الإسلامية إضافة إلى أن العالم الإسلامي الآن يعاني من الفقر والدمار والتخلف والشتات . فعودة الخلافة الإسلامية في وجود قطبين يمتلكان عناصر القوى الاقتصادية والتكنولوجيا والقوة النووية والخطط والدراسات الاستراتيجية التي تؤهلهم إلى حكم العالم والاستيلاء على ثرواته الباطنة والظاهرة حيث توجد معظمها في دول فقيرة متخلفة لا حول لها ولا قوة ولا تملك ما يؤهلها إلى استثمارها من العلم والمعرفة والتكنولوجيا ورأس المال والإرادة السياسية ، إذ هم شتات منغمسون في الحروب الأهلية والعمل السياسي غير المنتج .
3
الأمل الوحيد هو عودة الإسلام كحضارة عالمية لها سهم في الحضارة الإنسانية ، وهذا لن تحققه الشعوب العربية في الشرق الأوسط والتي خرجت من دورة الحضارة العالمية إلى هامش العالم وظلوا يجترون التاريخ ويبكون على أطلال حضارة ظلوا يدعونها وهم قعود في باديتهم القاحلة التي أخرجت لهم نفطا جعله الغربيون حكرا لأسر بدوية تدين لهم بالولاء وتبدد هذه الثروة فيما لا يفيد الناس ولا يصرفونها في تنمية العالم الإسلامي الفقير واستعادة أمجادهم واستقطاب العقول وشراء أسرار التكنولوجيا والمعرفة لقد نجح الغرب في تبديدها بل جعل منهم خزانة لتمويل مشاريع تدمير العالم العربي ومحاربة الإسلام في جميع أنحاء العالم بل جعل منهم حلفاء للصهيونية العالمية ودعاة للتطبيع مع اسرائيل . كل ما استطاعوا عمله هو بناء الأبراج الشاهقة والمدن والعواصم التي تعتبر امتدادا وتقليداً ومسخاً مشوهاً للمدن الغربية الإعراب لن يكونوا أهلاُ لاستعادة الحضارة الإسلامية ومكانتها في العالم لأنها غادرتهم إلى عالم الفتوحات الجديدة حيث صنعت لنفسها أفقاُ حضاريا شارك فيه كل العالم بتنوعه البيئي والثقافي والإثني على أساس كتاب الله العزيز شرعة ومنهاجا وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم ومجاهدات العلماء المسلمين من العرب والعجم .
الإسلام الحضارة هو الذي سيبعث من جديد وليس الإسلام الخلافة حيث إن الخلافة نظام حكم كان مهما وفاعلاُ في صدر الإسلام وعصر الفتوحات وذلك بالتواثق والطاعة لولي الأمر وتوحيد الإمارة وعقدها فقط على الأئمة والفقهاء الراشدين ( الخلافة الراشدة في صدر الإسلام) . ثم من بعد ذلك للأسر المؤهلة للقيادة بنفوذها السياسي ومكانتها الدينية ( الأمويين والعباسيين) وكلاهما أعلى بلاءً حسناً في الفتوحات ونشر الإسلام وازدهار الثقافة والعلوم وحوار الحضارات عن طريق الترجمة والتثاقف مع الشعوب في بلاد الفتوحات .
4
أما وقد أصبح الرشد منهجاً وقاعدة حكم تجاوزت رشد الحاكم إلى رشد المنهج الذي يشكل مرجعية للحكم بعد أن استبان للناس الرشد من الغي ، وصار الخيار بين الحق والباطل وصار الإسلام هو العروة الوثقى التي يجب أن يتمسك بها المسلمون ويتواثقون عليها لمحاربة الطاغوت لقوله تعالى
﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ﴾ [البقرة ٢٥٦]
فالخلافة هنا لمن يستطيع أن يحكم في أي مكان وزمان بكتاب الله وسنة رسوله والاجتهاد في إطار هذه المرحعيات ومقتضى الأحوال في السياقات البيئية والثقافية وشورى علماء الإسلام وحكماء الأمم فيما يلي شؤون غير المسلمين وليس أقوى حجة على عُلوية حاكمية المنهج على حاكمية الفقيه الراشد الفرد مثل حديث رسول الله صلى عليه وسلم لمعاذ بن جبل وقد عينه والياً على اليمن :-
( قال النبيُّ ﷺ لمُعاذٍ: بم تحكُمُ؟ قال: بكتابِ اللهِ، قال: فإن لم تَجِدْ؟ قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ. قال: فإن لم تَجِدْ؟ قال: أجتَهِدُ رأيي ولا آلُو. قال: الحمدُ للهِ الذي وفَّقَ رسولَ رسولِ اللهِ)
أنظر : ابن العربي (ت ٥٤٣)، أحكام القرآن ١‏/٥٧٤ • حديث صحيح
ذلك يعني أن للحاكم مساحة وحرية للاجتهاد بالشورى والإجماع والقياس فيعزم ويتوكل على الله قال تعالى :-
﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ﴾ [آل عمران ١٥٩]
فالعالم مأمور بالشورى وحزم الرأي بعد ذلك والتوكل وكذلك الرعية مأمورة بأن تجعل أمرها شورى بينهم في كل شؤون الحياة قال تعالى :-
﴿وَٱلَّذِینَ ٱسۡتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَیۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ﴾ [الشورى ٣٨]
وبذا أصبحت مؤسسة الحكم مستقلة عن السلطان والسلطان مأمور بالالتزام بهذا المنهج الرباني في الحكم وعلى الرعية مناصحته وتقويمه إذا طغى أو حاد عن المنهج فلا خلافة ولا إمارة لمن يلتزم بمواثيق وعهود الحكم في الإسلام ومرجعياتها الفهية . وليس بالضرورة أن يكون الخليفة حاكماً لكل العالم بل المنهج هو الذي يحكم في كل زمان ومكان وأن يكون من بني وطنه لا غريباً عليهم كما يحدث الآن في نظم الاستعمار الحديث ، الإسلام لم ينزع مستعمرات ولكنه أنشأ أوطاناً مستقلة تحكم بالإسلام تنتظم كلها في عالم إسلامي تجمع بينه أواصر العقيدة ومقاصد الشريعة والالتزام بتعاليم الإسلام في أمور المعاش والمعاد
5
الإسلام هو النواة الصلبة لثلاث إمبراطوريات حكمت العالم وأسهمت في تقدم ورقي الإنسانية وإخراجها من الظلمات إلى النور والأمم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد كما قال ربعي بن عامر لرستم قائد جيش الفرس إذ سأله ، ما جاء بكم؟ فقال:-
(لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)
هذه أمة قد طابق سلوكها ومنهجها قرآنها
قال تعالى:-
﴿ٱللَّهُ وَلِیُّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ یُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَوۡلِیَاۤؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ یُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِۗ أُو۟لَـٰۤئكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [البقرة ٢٥٧]
الإسلام دين كوني لا يقيده زمان ولا مكان وهو ليس تاريخا قديماً مضمحلاً أو آثاراً لأممٍ بائدة نمر على أطلالها مصبحين إنما هو روح سرمدية من الوحي تتجدد مع تطور الحياة إلى قيام الساعة ، فإذا خرجت من أمةٍ أصبحت جثة هامدة كما نرى الآن في عالمنا العربي ، وهو أيضاً حركةٌ وفعل حضاري تقوم به الأمة مجتمعة إذا تفرقت وتنازعت ذهبت ريحها وغادرتها إلى أمم أخرى .
فالغرب الآن يضربنا يقصفنا بالطائرات ويهلك الحرث والنسل في بلادنا ليغنم ثرواتنا بينما ينزح المسلمون إلى أوروبا وأمريكا ويصبحون مسلمين في مجتمعات امتلكت ناصية القوى من العلم والتكنولوجيا ثم لا يكونوا أمثالهم ويصيرون مواطنين يتمتعون بحقوق المواطنة في تلك الدول ويتكاثرون فيصبح الإسلام أقوى الأديان في الغرب ويدخل فيه العلماء والخواص والعوام ذرافات ووحدانا ، وبذلك يمكن القول إن الإسلام سيعود قوياً معززاً بمنجزات الحضارة الغربية وعندها سيغزو عالمنا الإسلامي المزعوم بفرضيات التاريخ ويحرره مت جاهلية العصر الحديث والتي غرسها فينا الاستعمار
الآن الأمل معقود على عودة الإسلام من ديار فرعون العصر الباطش (أمريكا) وأوروبا القارة الصليبية المستعمرة العجوز ومن كل مراكز القوى في العالم سيعود الإسلام عزيزاً من حيث لا يشعرون :-
﴿وَٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَیۡثُ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢]
وسيصبح كلما بنوا وأعدوا من عدة وسلاح لتدمير العالم ميراثا لعباد الله الصالحين ذلك لأن القوة لله جميعا ويؤتيها من يشاء من عباده الصالحين لتكون كلمته عي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى
قال تعالى :
﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِی ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ یَرِثُهَا عِبَادِیَ ٱلصَّـٰلِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] صدق الله العظيم
صديق المجتبى

المزيد من المواضيع: