أساطير إفريقية

أساطير إفريقية
بقلم: خليل حنا

أسطورة الكلبان المسعوران
أرسل السلطان وزيره ليتفقد أحوال رعيته في إحدى مدن دولته، وحين وصل الوزير استقبله والي المدينة ورحب به في قصره.. وعند بحث الأمور التي جاء من أجلها اعتذر الوالي وذلك لكثرة مشاغله بأمور الولاية.
في منتصف الليل وبينما كان الوزير يغط في نومه بإحدى غرف القصر أحس بحركة غير اعتيادية خارج غرفته فنهض من فراشه مذعوراً واتجه نحو باب الغرفة وفتحه ببطء.. كان من حذره أنه حمل سيفه معه.
رأى الوزير أن الوالي يتجه من غرفته إلى غرفة منزوية وهو يحمل سوطاً بيد وطبقاً كبيراً مليء بالطعام باليد الأخرى. ثم فتح الوالي باب الغرفة بمفتاح كان معه وإذا فيها كلبان كبيران.
وضع الوالي الطعام جانباً وراح يضرب الكلبين بسوطه الغليظ وهو يقول:
هل رضيتما معي لما أصابكما هذا.
وبعد أن ضربهما وضع طبق الطعام أمام الكلبين وبدأ يطعمهما بيديه ويمسح على رأسيهما.
وبعد أن إنتهيا من تناول طعامهما قبلهما وأقفل عليهما الباب من جديد وعاد إلى فراشه.
عجب الوزير من أمر الوالي وعاد إلى فراشه يفكر بهذا الأمر الذي شاهده. وتكرر المشهد أمام الوزير لثلاث ليالي متتالية. وحكى الوزير للسلطان ما حدث..
طلب السلطان من الوزير العودة فوراً إلى نفس الولاية وأن يأتي بالوالي ومعه الكلبان.
إعتذر الوزير ولكن لم يفد إعتذاره إلا أن السلطان أصر أن يذهب هو لا غيره.
عندما وصل الوزير للولاية عجب الوالي.. بل تخوف من عودة الوزير وقال في نفسه:
لابد أن في الأمر شيئاً خطيراً.. ربما جاء ليعزلني عن الولاية.
سأل الوالي الوزير عن سبب رجوعه فلم يخف عنه شيئاً فأعلمه بما شاهده عندما كان في ضيافته وأنه لم يشأ أن يخفي عن السلطان هذا الأمر مما حدا بالسلطان بأن يأمر بحضور الوالي ومعه الكلبان.
أذعن الوالي لأمر السلطان وسار مع الكلبين بمعية الوزير حتى وصلوا قصر السلطان.
كان السلطان بشوق وتوق لمعرفة هذا السر الذي نقله إليه الوزير لذا ما كاد الوالي يستأذن بالجلوس بين يديه حتى سأله أن يروي له قصته مع هذين الكلبين.
راح الوالي يروي قصته على السلطان:
لقد توفى والدي يا مولاي تاركاً لي ولأخوي الاثنين ثروة ضخمة.. وقبل أن نقوم بمراسم الدفن جاء أخواي إليّ وطلبا أن نقتسم الثروة في الحال.
قلت لهما:
دعونا ندفن والدنا ونصبر عدة أيام إذ أنه من غير الممكن أن نفكر بالثروة ووالدنا مسجي أمامنا ميت لم يدفن بعد.
إلا أنهما أصرا على اقتسام الثروة في الحال فنزلت عند رغبتهما واقتسمنا الثروة وذهب كل منا إلى حال سبيله.
أنا اشتغلت بالتجارة يا مولاي بينما أنفق أخواي مالهما على الأمور الدنيوية الرخيصة.
بعد مدة جاء أخواي إليّ وقالا لي: “لم يعد لدينا شيء من المال”. وطلبا مني مقاسمتهما ثروتي من جديد.
كنت أحبهما جداً وحتى لا يمدا أيديهما للناس أو للمال الحرام قسمت ثروتي بيننا نحن الثلاثة وشرطت عليهما أن نعمل بالتجارة معاً فقبلا.
ركبنا سفينة شراعية متجهين إلى بغداد وفي الطريق هبت عاصفة هوجاء فقلت لإخوتي: حياتنا أهم من البضاعة التي على السفينة هلموا ننقذ أنفسنا في هذا الزورق الصغير الموجود على متن السفينة.
رفض أخواي فكرتي وبقيا في السفينة بينما ركبت الزورق الصغير الذي أوصلني إلى شاطيء بلاد لم أعرفها أو أشاهدها سابقاً.
نزلت فشاهدت باباً كبيراً يقف على جانبيه رجلان متيبسان فعجبت من أمرهما. تابعت سيري وإذا بي أمام حية يلاحقها ثعبان كبير يريد إلتهامها فانتضيت سيفي وقتلت الثعبان.
الحية نظرت لي نظرة شكر كما صوّر لي وابتعدت هاربة عن المكان.
دخلت المدينة وإذ بي أرى كل سكانها متيبسين وكل في عمله.
وفي سوق الذهب كان الجميع متيبسين لذا رحت أجمع الجواهر والذهب والأقمشة والأمتعة. أي كل ما خف حمله وغلا ثمنه. وبينما أنا سائر مررت بقصر كبير فسمعت صوتاً عذباً يقرأ القرآن.. فدخلت القصر وإذا بي أشاهد الملك وحاشيته وكلهم متيبسون. وإذا بفتاة ترحب بي سألتها عن أحوال هذه المدينة فقالت:
لقد جاءنا نبي يهدينا.. فكذبه أهل المدينة وعصوه وآذوه فجعلهم الله حجارة كل في مكانه عقاباً لهم.
قلت لها:
وما يبقيك هنا؟
قالت:
سآتي معك فحملت مجوهراتها وذهبها وبضائعها مع ما حصلت أنا وحملته ورجعنا إلى المركب وسرنا به نمخر عباب البحر.
وفي الطريق عثرت على أخوي في منتصف البحر وقد كاد زورقهما يغرق فأنقذتهما ورفعتهما إلى مركبي وقد علمت أن مركبنا قد غرق بما فيه من بضاعة فطمأنتهم على إننا عندما نصل سنقتسم ما حصلت عليه على ثلاثتنا بالتساوي.
وبينما كنت جالساً على المركب مع الفتاة دفعني أخواي وسط الماء إلا أني شعرت أن يداً تنتشلني ولم أر نفسي إلا في قصر وبجانبي فتاة وسمعتها تقول للملك الذي كنت أقف قبالته: يا أبت أكرم هذا الضيف.
ولما سألني عما فعله بي أخواي أنكرت ذلك وقلت له إني لم أكن أجلس جيداً مما جعل المركب يفقد توازنه مما أسقطني في الماء.
الفتاة كانت تعرف ما جرى لي. وهي التي أنقذتني من الغرق.
جاءت الفتاة بكأس من الماء وتلت عليه كلمات لم أفهمها ثم سكبته على الأرض وقال لي:
لقد أصبح أخواك كلبين.
وأقسم قسماً لا بعده ولا قبله، قسم إن لم تنهض كل منتصف ليلة وتضربهما بالسوط لأعذبنك عذاباً شديداً.
ثم وخزتني بعصا كانت معها فإذا بي في قصري وإذا بإخوتي بجانبي وقد مسخا كلبين.
وقد وضعت كل من إخوتي بعد أن أطعمتهما في فراشه.
وفي منتصف الليل استيقظت والفتاة تهزني بعنف وتقول:
لقد حان وقت ضربك لأخويك بالسوط.
رجوتها، توسلت إليها ولكنها لم توافق وقالت: إن لم تضربهما بعد منتصف كل ليلة لآتين أنا إلى هنا وأعذبك عذاباً لم تر أو تسمع بمثله.
وهكذا خفت على نفسي وكنت أنهض في منتصف كل ليلة وأعد لهما طعاماً فأضربهما ثم أطعمهما وأواسي جراحهما.
وها أنا يا مولاي بين يديك واستميحك عذراً للقيام بضربهما فقد شارف الوقت على انتصاف الليل.
قال السلطان:
كونوا اليوم في ضيافتي ولا تضربهما وإن جاءت الفتاة لتطلب منك أن تضربهما فقل لها: إني ضيف السلطان.
جاءت الفتاة وبيدها سوطها وقالت له:
لماذا لم تضربهما؟.
قال الوالي:
أرجو أن تعفيني هذا اليوم لأننا ضيوف عند السلطان.
قالت الفتاة بعد أن أطرقت برأسها:
إذن لابد من استشارة والدي بالأمر.
غابت الفتاة لحظات ثم عادت وقالت لي:
بقسمي الذي لا أول له ولا بعده قسم ما دمتم بضيافة السلطان لن يمس الكلبين أذى.
ولما علم السلطان بقدوم الفتاة طلبها وقال لها:
تعالي يا أختاه.
قالت:
نعم يا نعم الأخ
قال:
أبلغي أباك أن السلطان يطلب منه العفو عن الكلبين وإعادتهما إلى طبيعتهما.
قالت:
سمعاً وطاعة.
غابت الفتاة لحظات ثم عادت وقالت للسلطان:
يبلغك والدي التحية وقد وافق على طلبك.
وأتت الفتاة بكأس من الماء تلت عليه بعض التعويذات وسكبت الماء على الكلبين، فعادا إلى حقيقتهما وقالت لهما:
إن علمت أنكما قد آذيتما أخوكما لأعيدنكما إلى صورتكما ولا تلومن إلا نفسيكما.
ثم إلتفت إلى الوالي وقالت له:
هل عرفتني؟.
قال:
لا والله.
قالت:
إنني تلك الحية التي أنقذتها من الثعبان وها أنا أرد لك جميلك.
وكان لدى السلطان بنتان فزوجهما الأخوين وجعل الوالي وزيراً له.

المزيد من المواضيع: