المفاهيم الأساسية في فلسفة الفن

المفاهيم الأساسية في فلسفة الفن
بقلم تايجر س. روهولت
ترجمة: عبده الريس
الـجـمــال
لقد اعتبر ج. و. ف. هيجل أن موضوع بحث فلسفة الفن هو الجمال. ويعكس هذا بدقة الأهمية التقليدية للمفهوم في مجالنا الفرعي. سنة 1747 يُعرف تشارلز باتو الفن بأنه «محاكاة للطبيعة الجميلة» (أنظر المقدمة والتمثيل). غير أن الجمال أصبح أكثر تهميشاً في فلسفة الفن خلال المائتي سنة الماضية. إننا في السياق العام نصف أشياء كثيرة بأنها جميلة بالإضافة إلى الأعمال الفنية. ففي الواقع، كل شيء تقريباً يمكن ان يوصف بأنه جميل: العمل الفني، الفكرة والفعل والموضوع الطبيعي والشخص، وما إلى ذلك. من الناحية التقليدية، بالعودة إلى اليونانيين القدماء، نجد أن الجمال يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالجيد واللطيف والنبيل والسماوي والحقيقة، كما أن الجمال يرتبط بنحو مميز بالثناء، بوجه عام، ويكاد يكون بصفة عامة مصدراً للذة. ومن ثم، ليس من الباعث على الدهشة، أنه عندما نسمي شيئاً جميلاً، فإننا في الوقت ذاته نقصد تقييماً إيجابياً. لقد شرع بعض الفلاسفة لتنحية هذه المفاهيم جانباً. في مذكراته غير المنشورة التي جُمعت تحت عنوان «إرادة القوة» The Will to Power يكتب فريدريش نيتشه “بالنسبة للفيلسوف أن يقول: “إن الجيد والجميل هما شيء واحد فهو أمر شائن. وإذا اشتط قائلاً: والحقيقي أيضاً، فلا بد للمرء أن يقوم بجلده؛ الحقيقة قبيحة”.
مع وضع نيتشه جانباً، فإن هذا المفهوم العام للجميل يقارب نطاق المعنى المشابه للمصطلح الإغريقي القديم to kalon. إن المفهوم المألوف بأن الأشياء الجميلة منتظمة، ومنسجمة ومتناسبة يرجع إلى التقليد اليوناني الفيثاغورثي. فهو مؤثر في التقليد الإغريقي الأخير، في العصور الوسطى، وما إلى ذلك. في محاورة فيليبوس يصف أفلاطون الجمال بأنه يتضمن قياساً وتناسباً. في السيمبوزيوم نجده معنياً في الأساس بالجمال فيما يتعلق بالحب، ويناقش الجمال المطلق، نموذجاً للجمال (تماماً كما يؤكد أن هناك نموذجاً للعدالة، أو الخير على نحو أكثر تشابهاً). إن الجمال المطلق، شأنه شأن نماذج أفلاطون، يعد أبدياً وثابتاً لا يتغير ويعتمد على العقل وغير مادي ومثالياً، ولا يمكن معرفته من خلال الإدراك، ولكن يمكن معرفته فقط عن طريق الذهن (لاحظ كم هو مُنافٍ للبديهة الزعم القائل بأن الجمال لا يمكن معرفته من خلال الإدراك). إن الأشياء الجميلة، مثل الأعمال الفنية والأشخاص والزهور، جميلة ولكن ليس بوجه تام، وهي ليست جميلة سوى بقدر ما تشترك في الجمال المطلق. وبينما يشيد إفلاطون بالجمال، نجده منتقداً كما هو معروف للفنون لأسباب إبستمولوجية وأخلاقية وسيكولوجية وسياسية، (أنظر أفلاطون، الجمهورية).
أما أرسطو فيعتبر الجمال خاصية للأعمال الفنية، حيث يرجع إلى تناسبها ونظامها وما إلى ذلك. على سبيل المثال، إن الدرامات المأساوية الجميلة التي لها حبكة يعني أنها موحدة ولها بداية ووسط ونهاية، إضافةً إلى ميزات أخرى (أنظر أرسطو، الشعر). إن الرواقيين يؤكدون أن الجمال مسألة سيمترية. ويعارض بلوتينوس، فيلسوف الأفلاطونية الجديدة، هذا في الزعم بأنه حتى طبائع الحس البسيط يمكن أن تكون جميلة.
ويذهب فرانسيس هيوتشيسون (1694 – 1746) إلى أن الجمال ليس طبيعة تحظى بها موضوعات معينة. بل إن الجمال يمثل “فكرة” (موضوع ذهني بمفهوم جون لوك). وبعض الموضوعات لديها القوة أو النزوع لكي تحدث داخلنا فكرة الجمال. إن الموضوعات التي تمتلك هذه القوة لها عناصر ذات علاقة معينة ببعضها بعضاً. فهذه العلاقة، بتعبير هيوتشيسون الشهير، هي “التجانس في خضم التباين”. باختصار، إن الموضوعات التي تظهر تجانساً في خضم التباين تسمى جميلة؛ لأن هذه الموضوعات تحدث داخلنا فكرة الجمال. إننا نجّرب فكرة الجمال هذه، ولذة الجمال، في الحال، ليست بسبب حواسنا الخارجية (البصر أو اللمس مثلاً) ولكن بسبب شعور داخلي معين بالجمال، فلذَّة الجمال محسوسة ببساطة، ولا تتضمن العقل. إن ديفيد هيوم، الذي تأثر به هيوتشيسون، لم يحدد ما الذي تُحظى به الموضوعات التي نسميها جميلة، واعتقد بأن العقل هو في الواقع متورط بنفس القدر الذي يتورط به في النظرية الأخلاقية لديه (أنظر هيوم “معيار الذوق”).
بالنسبة لإيمانويل كانط، فالجمال في الطبيعة يتجاوز الجمال في الفن. وهو يؤكد أنه لا يمكننا تحديد الجمال من حيث خصائص الأشياء (مثل النسبة والتوازن والنظام، وما إلى ذلك). ليس هناك ببساطة أي مبادئ للجمال. ولكننا بالتأكيد نجد موضوعات جميلة. وإذا حسبنا ذلك من حيث مجرد رد الفعل المستحسن على شيء، فسوف يتحول الجمال إلى مجرد تفضيل ذاتي، ولسوف تثبت صحة المثل الدارج “الجمال في عين الناظر”. إن كانط يركز على رد فعلنا، تجاربنا للجمال، ولكنه يركز أيضاً على أحكامنا على الجمال (والتي تعرف أيضاً بأحكام التذوق)، وفي قيامه بذلك، يحاول تفادي مشكلة الذاتية. ويرى كانط أنه عندما نجرب شيئاً نعتبره جميلاً… فإننا نعتبر اللذة في الموضوع في حد ذاته. وهذا ما يسميه باللذة اللاغوضية. بعبارة أخرى: إنه ليس لدينا إهتمام بوجود الموضوع ولا بامتلاك الموضوع، وهذا ما يميز الجميل عن الممتع (مثل الطعام حلو المذاق)، والعملي والأخلاقي. إننا ندرك أن هذا ليس مجرد تفضيل ذاتي، فنحن نتوقع أن الآخرين سوف يجدون أن الموضوع جميل أيضاً (رغم أنه لا يوجد أي مبرر فكري لهذا التوقع). إن اللذة التي في الموضوع، ترجع لشكل الموضوع. فبالإضافة إلى ذلك، فإننا نجرب الموضوع بوصفه لا يُحظى بغاية موضوعية ولكن فقط غائية شكلية أو “غائية دون غاية”، إننا نتوقع أن الآخرين ينبغي لهم أن يجدوا الموضوع جميلاً (أنظر الإبداع).
أما بالنسبة للفلاسفة بعد كانط وهيجل، وخاصة في القرن العشرين، فقد أصبح الجمال قضية أقل محورية، وأكد الكثيرون المفهوم العام للجمالي. إننا كثيراً ما نقيم الأعمال الفنية من الناحية الجمالية، تلك التي لم نكن نعتبرها جميلة، مثل تركيب فني يتألف من النفاية أو أغنية من نوع السيكوبيللي الصاخب. وفي القرن العشرين، وصل الجمال إلى اعتباره خاصية جمالية واحدة من بين خصائص أخرى، وإن كان هو الخاصية الأساسية. على أنه مع قدوم الفن الطليعي avant-garde كثيراً ما أصبحت الأعمال الفنية محل تقييم والتي ليست جميلة ولا جمالية. وفي الآونة الأخيرة، عاود الإهتمام بالجمال الظهور من جديد. أنظر على سبيل المثال، ماري موثيرسيل (1984) وآرثر دانتو (2003).

المزيد من المواضيع: