نون والعقّاد

بقلم: فتوى الحمري

كتبت “مي زيادة” لعباس محمود العقاد يوما سائلة: “لماذا تكتب لي (أنتي) وليس (أنتِ) بكسر التاء”؟

فأجابها : “يعزّ عليَّ كسرك حتى في اللغة”.

وقفت كثيرا عند هذه العبارة، بالتحديد عند كمية النفاق التي استطاعت ان تحويه جملة واحدة! في الحقيقة هذه عبقرية من العقاد.

فهذا الذي يعزّ عليه كسرها في اللغة قد مسح الأرض بكرامة بنات جنسها جميعا…

دائما ما كنت أقف عاجزة عن وصف العقاد، او تحديد ماهيّته، فقد يتعذر اعتباره كاتبا أو أديبا،  أو حتى فيلسوفا مفكرا فالرجل يحوي كل ما سبق! ويزيد ..

ولد العقّاد في أسوان في 28 من يونيو 1889 .. وكأغلب ابناء الصعيد المصري حينها , اقتصرت دراسته على المرحلة الابتدائية و ذلك كان لعدم توفر المؤسسات التعليمية في قريته. لكن عبقرية العقاد لم يكن ليوقفها شيء !

فقد كان صبيّا شديد الولع بالقراءة، كما أتقن من خلال إحتكاكه بالسياح اللغة الانجليزية، ما فتح له باب الاطلاع على علوم كثيرة والانفتاح على ثقافات بعيدة .

وعندما هاجر العقّاد الى القاهرة شغل عدة مناصب حكومية استقال منها تباعا، كما عمل بالصحافة وأسس مدرسته الشعرية.

و بالطبع في زمن كزمن العقّاد؛ يعجُّ بالادباء والمفكرين  فقد كان له حظه من المعارك الأدبية متعددة، أشهرها معركته مع الرافعي حول الإعجاز في القرأن، وأخرى مع طه حسين حول أبي العلاء المعري، وغيرهم كثير…

أمّا أعمال العقاد فيصعب حصرها، فقد ألف اكثر من مئة كتاب، وعشرات الالاف من المقالات التي يمكنها ان تملء مئات الكتب …

ومن بين تلك الكتب هناك كتابين تملؤهما كراهية للمرأة عجزت عن استيعاب سببها، خاصة أنها ممن عزّ عليه كسر امرأة في اللغة، فقام بتحطيمها في كتابين كاملين.

كتاب “المرأة في القرآن” والذي كان حريّا به ان يعنونه “المرأة عند العقاد” فما جاء في هذا الكتاب لا يمت لكتاب الله الكريم بصلة؛ كتاب مليئ بالكراهية والتحقير والاستفزاز. عداء غريب مريب ينسبه الكاتب بدون خجل للقرآن.

الكتاب عبارة عن محاولة فاشلة لطبخ بعض الأيات وبعض الأحاديث مع الكثير من الأشعار الرجعية واراء أرسطو العدائية للمرأة. تنضح صفحاته بسخرية لاذعة وألفاظ أقل ما يمكن القول عنها أنها تفتقر للأدب، إن لم نقل سوقية.

ولا يقل كتابه الثاني “ هذه الشجرة” عن الأول رجعية، بل قد أبدع فيه العقاد في اظهار جانب منه مظلم ظلام القبور، حين الصق بالانثى كل المصائب التي تحيق بالبشرية..

في “ هذه الشجرة” يتهم العبقري المرأة بكونها رأس الفتن، فهي من وسوست وأغوت ادم حتى طعِم من الشجرة! وقد أعماه حقده عن الرجوع للقران الذي يستشهد به ليعرف أن قصته أوهى من أن تنقض، ونقدها مضيعة للوقت، فأي طفل قرأ قصة الخلق سيعرف أن هذا هراء أتى به جهلاء ودوا لو يعودوا لوأد بناتهم.

استغرب كيف يتعامل المجتمع المثقف مع هذين الكتابين بالذات، استغرب أنها يباعان على أرفف المكتبات بكل ما يحويانه من عنصرية صارخة!  ويحزنني أن أجد من يتبنون هذا الفكر بكل فخر فيما نحن في أمسّ الحاجة للتنقية تراثنا الديني والثقافي مما ألصق به على مدار قرون من مظاهر الجاهلية التي ما بعثت فينا الرسل  إلا ليحرروننا منها.

 

فتوى الحمري

المزيد من المواضيع: