وترجل الكائن الجميل اللامرئي عيسى الحلو بعد ستين عاما من الكتابة

بقلم: د. صديق المجتبى

لا تكاد تراه في عالم الوجود الفيزيائي لأنه مختبئٌ دائماً كالحدس الجمالي في مكامن الشعور يبحث عمَّا يُجلِّيه لميقات السفور للذين يرونه بنواميس الرؤية الجمالية ، فهو لا يخطر لك ولا تُحسُّ بوجوده في عالمنا اليومي إلا مختبئاً كما يختبئ البستان في الزهرة وكأن شاعرنا محمد المكي عناه بقوله:-

يختبىء البستان فى الوردة
تختبىء الصدفة فى منعطف الطريق
والعسل البرى فى الرحيق
وطائر الفينيق فى الحريق
يختبىء الحريق فى الشرر
يختبىء البستان فى الوردة
والغابة فى الشجر

فذلكم هو الكاتب الروائي السوداني عيسى الحلو (١٩٤٤ – ٢٠٢١) الفارس الذي ترجل عن صهوة قلمه ولكنه لا يزال جالساً في عرش الكتابة بما ترك من أعمال قصصية وروائية خالدة وأعمال نقدية لا زالت تطرح رؤى جديدة وتساؤلات في مجالات الأدب والثقافة والفن وقضايا في عالمنا المعاصر ، فهو احد أهرامات القصة القصيرة والنقد الأدبي واحد رواد الصحافة الثقافية الذين تركوا آثارا لا تزول وبصمة فريدة الكتابة القصصية والروائية. كان عيسى منزويا بعيداً عن الاضواء ولكنه ملأ الدنيا وشغلها بانتاجه وعطائه الثر . كان عيسى الحلو رحمه الله حلو المعشر عفيف اللسان كثير الصمت والإطراق والتفكير والإطلاع . كان يحب الأنس في الأدب والثقافة ومتابعة آخر ثمرات المطابع كان واسع المعرفة بالأدب السوداني والعربي والعالمي . إلا انه كان سوداني الذوق والطباع بل هو صاحب مدرسة سودانوية فلسفية في كتابة القصة القصيرة والرواية ، إذا جاز لنا نصنف السرد القصصي حسب ثقافات الشعوب واساليبها في السرد والحكي فيمكن القول إن سرد عيسى الحلو في قصصه ورواياته تشبه طريقة اهل السودان في السرد فكل قصة تحمل الخصائص الإنسانية للشخصية السودانية وقد كان أول عمل قصصي له ، وهو بعدُ يافع ، في العام ١٩٥٩ في جريدة الأمة قصة بعنوان “مفتاح النور” ثم بعد أربعة أعوام من الكتابة صدرت له عام ١٩٦٣ مجموعته القصصية الأولى بعنوان “ريش الببغاء” وقد صدرت له عدة مجموعات قصصية منها
“الوهم” (1971)، “وردة حمراء من أجل مريم” (1998)، “أختبئ لأبحث عنك” (2003)، “قيامة الجسد” (2005)، و”رحلة الملاك اليومية” (2008)، وعدد من الروايات منها “حمّى الفوضى والتماسك” (1972)، “صباح الخير أيها الوجه اللا مرئي الجميل” (1997)، “عجوز فوق الأرجوحة” (2010)، “الورد وكوابيس الليل” (2013)، إلى جانب روايات ثلاث نشرها في صحيفتين سودانيتين: “البرتقالة” (صحيفة الصحافة، 1971)، “مداخل العصافير إلى الحدائق” (صحيفة الأيام، 1976) و”الجنة بأعلى التل” (صحيفة الأيام، 1978).
لعلَّك تلاحظ البعد الفلسفي والإنساني في عناوين قصصه ورواياته مما يؤكد ريادته للقصة الحديثة في السودان والانتقال بها من تقليدية المواضيع التي غالباً ما تدور حول الدراما الاجتماعية وتكون ال Climax فيها تراجيديا تخاطب العاطفة وتتجاوز الفكر والنهايات فيها نمطية ، ولا تطرح أسئلة حول قضايا الإنسان في عالمنا المعاصر .
كما تلاحظ أيضاً طرافة العناوين وشاعريتها ودلالاتها الفكرية العميقة مثل “أختبئ لأبحث عنك” مما يدل على ان البحث ليس في عالم الكائنات المرئية أي في الوجود الفيزيائي للأنا والآخر ، إنما هو بحث في الجوهر الإنساني بمعطيات جمالية أو فلسفية كامنة في ذات الآخر ويعزز ذلك عنوان مجموعته ( صباح الخير أيها الوجه اللا مرئي الجميل) وكذلك مجموعة ( مداخل العصافير إلى الحديقة ) يشي باكتشافه هذه المداخل وقد يفسر هذا المدخل بانه Approach أي محاولة دخول العصافير للحدائق بخشوع لقدسية العلاقة الجمالية بين العصافير العاشقة للجمال والحدائق .
لعلهذا المفهوم يستبطن المعنى الذي قصده إيليا أبو ماضي في تخاطر شعري مدهش معه في قوله:-

أَدرَكَت كُنهَها طُيورُ الرَوابي
فَمِنَ العارِ أَن تَظَلَّ جَهولا
ما تَراها وَالحَقلُ مِلكُ سِواها
تَخِذَت فيهِ مَسرَحاً وَمَقيلا

لعلّ مالك الحقل لم يدرك ما أدركته العصافير لما في الحقل من خفايا وأسرار أشار إليها الشاعر بكلمة “كنهها”

ولعلّ عيسى الحلو رمز للنفوس الجميلة بالحدائق والعصافير إشارة للنفوس اللطيفة التي تحاول الدخول إلى تلك الحدائق.
ولكن فكرة اكتشاف مداخل العصافير للحديقة طريفة وغير مسبوقة
عيسى الحلو كائن جميل لا مرئي حسب وصفه للشخصية المحورية في روايته ( صباح الخير أيها الوجه اللا مرئي ) بسبب هذا الإنزواء والزهد في الأضواء وعدم ترجمة أعماله للغات العالمية الخية لم يحتل هذا الكاتب الروائي العظيم المكان اللائق به على مستوى الوطن العربي والعالم .
لقد فقدت بلادنا علماً من أعلام الأدب والنقد ورائداً من رواد الصحافة الثقافية التي أفنى فيها زهرة شبابه .
رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا

المزيد من المواضيع: