تحت القمر 

بقلم: محمد فاروق

لقد سمعت عن قصته العجيبة التي حدثت في سبعينيات القرن الماضي، ذلك الشاب الذي كان اسمه عباس، كان واحدا عند والديه، انجباه على كبر ، وكانوا من سكان قرية بسيطة في الجزيرة.

كان يساعد والده في دكانه المتواضع في الحلة، ولكنه لم يكن راضيا بحاله، فقد كان مفتونا بحياة الغرب، يريد أن يسافر إلى إحدى الدول الغربية بطريقة غير شرعية ، ولكنه لم يجد  التأييد من والديه اللذان  قد جاوزا الستين من عمرهم ، فقد كانو بالحوجه إليه ليعينهم في كبرهم ، ولكنه قرر في نفسه السفر ، ودون إخبار أحد أكمل إجراءاته وغادر البلاد في صمت.

لم تجف دموع امه و لم تفارق الحسرة وجه ابيه المسن الذي لم يجد أحدا يسانده سوى صديقه مصطفى الذي كان يقف معه في دكانه ليبايع الزبائن ، كان يواسيه في ضعفه ويقول: يا جابر يا اخوي ما تزعل نفسك اكان فيو الخير ما كان فات ، وربك موجود يا اخوي.

بعد عشرة سنوات من الغياب ، نزل عباس في محطة المواصلات عائدا إلى الديار ليلاً يحمل في يده حقيبة سفر ، كان يتلفت حوله كفاقد الشئ متشوقا لرايت امه والبيه ،  متاهبا لتلك اللحظة التي سوف يلتقيهم فيها ، كيف سيقاوم دموعه ، ويجد العزر لاقناعهم بما فعل ، و في اثناء سيره داخل الحي في طريقه الي منزله صادفه السيد جار النبي ، وهو من جيرانهم القدماء ، فسلم عليه ثم رفع الرجل يديه قائلا الفاتحة ، البركة فيكم ، امك وابوك تعيش انت.

دار حول نفسه .. ولم يستطع ان يقل شيئا ، فذهب الرجل وتركه واقفا في مكانه.

واصل عباس سيره وهو يجر قدميه التي صارت كالجلل حتى وجد نفسه امام البيت القديم ، وبدا ينظر الى اشجار حديقته الجافـه ، وسورها الذي اكله الصدأ ، كان السكون يعم المكان ، ولا ضوء الا ضوء القمر.

دخل من باب الحديقة و بدأ يسير بخطوات بطيئـه، اقدامه تتخلل اوراق الشجر المصفره ، دفع  الباب الصغير الذي يطل على حوش الدار الكبير ، كانت ملامح المكان متغيره ، فالجدران قد تقدمت بالعمر حتى ظهرت بها شقوق كتجاعيد الوجه ، واستولت شباك العنكبوت على النوافذ.

في تلك اللحظة وقـع نظره على كرسي قديـم منكفئ على الارض ، قدمه مكسور ، وغبار الزمن عليه ، حينها عاد شريط الماضي امام عينيه ، وازدادت دقـات قلبه وتعالت انفاسه ، ثم سقطت الحقيبة من يده , لقد تذكر، فذلك كرسي امه ، رحمها الله.

لقد كـان اول من يقع نظره عليه حين دخوله للدار هي امه ، كانت تجلس على ذلك الكرسي معظم اوقاتها ، وحينما تراه ترتسم ابتسامتها الحنونـه وتقول: اكلت ياولد ؟ فتتحرك بخطاهـا البطيئه مستنده على الجدار لتحضر له الطعام.

سالت دموعه وهو واقف في مكانه والحقيبة على الارض , ثم نظر يميناً فاذا بزير الماء جافاً  وشباك العنكبوت قد غطت فتحته , تذكر ابوه حينما كان يراه فيبتسم حتى تتقارب تجاعيد وجهه و ينادي قائلاً: عباس تعال اشرب .. الزير يا ولدي مويتو صحية ، فيملأ الكوب وينتظره.

كانت انفاسه متزايده ، دموعه تجف و تتجدد ، فلـم يستطع البقـاء ، حمل حقيبته وخرج من الدار.

وقف على ناصية الطريق حيث كان دكان والده ، و لم يمض كثيرا حتى رأى رجل عجوز يمشي و يتكي على عكازه ، يرفع راسه من حين لاخر ليرى الطريق ، انـه مصطفى، صديق ابيه الذي كان يعاونه ويقف بجانبه.

لم يتذكره العجوز من الوهله الاولى ، ولكن دموعة ووقوفه امام دكان والده قد سهل على العم مصطفى التذكر , تبادلا السلام ، ثم ساله العجوز قائلا: كيف حالك ايها الفقير ، فتعجب من سؤاله ، فقد كان وراء سؤالـه قصد اخر.

قال عباس: وهل يقال للمغترب فقير ؟ قال نعم وقد يكون افقر الفقراء ، لان الرزق ليس رزق المال فقط ، بل هنالك رزق من الحسنات وهو اعظم الارزاق.

انظر كم كوبا من الماء كان بامكانك ان تعطيه لأمك فترتوي عروقها .. كم حسنة في مساعدتك لابوك في عجزه ومرضه ..  كم بسمتا كان بامكانك ان ترسمها على وجه امك فيطيب قلبها ، لقد تركت كل هذا الاحسان .. احسان ملئ بالرزق .. وذهبت.

طلب منه العجوز ان يتفضل معه الى البيت لكنه ابى , فتركه في مكانه شارد الذهن في قلبه الالم.

حمل حقيبته و خرجت من الحي ، يمشي و لا يدري الى اين , بين حين واخر خيالات امه وابيه تظهر امامه ، يلوحون اليه بأيديهم ، والبسمة على وجوههم ، و لكنه بائس مصفر اليديـن ، لا يملك لهم الا دعائه ودمـع عينيه.

و في ليلة اليوم الثاني وجد بعيدا من الحي ملقيا على الرمال وبجانبه الحقيبة ، وعلى خدوده اثر دموع كانت غزيره ، جسمه سليم ، والحقيبة بها كل شئ ، فتجمع الناس وبدات التساؤلات  .. يا اخوانا الزول ضربو ثبعان .. يازول اقلبو ما يكون مطعون بي سكين .. جسمو سليم يا جماعه .. تكون دي ضربة شمس ؟

لم يدر أحد كيف مات ولكن العم مصطفى كان يعلم.. لقد مات من أحزانه.. على الرمال.. تحت ضوء القمر.

المزيد من المواضيع: