مُثُل عليا للحياة السودانية المقبلة

مُثُل عليا للحياة السودانية المقبلة

محمد أحمد محجوب

– إن أمّة اضطربَ فيها سبيل الأدب، فلا فرق بين العارف والجاهل، وعمّت الفوضى حتى كادت تودي بالغثّ والسمين، وضَعُفَ نظام التعليم فيها، وضاق مداه إلى أن قارب الأمّية إن لم يندمج فيها، لحَرِيّةٌ أن تكون هدفاً للويلات الاجتماعية، وأن تشكوها، وتسعى جهدها للخلاص منها ومما يعقبها. فإذا نظرنا إلى نظام الأسرة وجدنا المرأة جاهلة تحوطها جدران من الجهل والتقاليد، وإذا نظرنا إلى أخلاق الشبان هالتنا الهوّة السحيقة التي ينحدرون إليها واعين وغير واعين، وإذا تفقدنا الكهول والشيوخ وجدناهم لاهين بأعباء الكبر وتكاليف العيش وخوف الموت عمّا تطلبه أمّتهم من جهودهم وما ترجوه من الإستفادة بتجاربهم، وإذا تطلَّعنا إلى المجالس والمنتديات وجدنا المؤمن يأكل لحم أخيه حيّاً، وألفينا الانقسام ينخر في صميم الأمّة ويهدِّد كيانها، ورأينا فتيان الحي يشغلهم التفكير في أشخاصهم الفانية عن التفكير في خير هذه الأمّة التي مازالت في سباتها تحاول فتح عينيها، فيروِّعها ما ترى بنيها عليه من محن تتلوها محن، وانقسام يتلوه انقسام.
ولقد تعاقبت على هذه الأمّة، في الآونة الأخيرة، ثلاث حكومات قبل هذه الحكومة الحالية: أولاها مملكة الفونج. وكان الناس إذ ذاك تغمرهم موجة من الجهل؛ فلا الحاكم قادر على تسيير دفة الحكم، ولا المحكوم بقادر على مساعدة الحاكم، وكانت ثمة فوضى يؤيّدها الظلم ويحكم أمرها (إن كان للفوضى أمر فيحكم)، ثم جاء العهد التركي المصري فوقعت البلاد في قبضة الحاكم الأجنبي الذي لا يهمّه من أمرها إلا أن يستغل مالها ورجالها، فجعل الولاة الأتراك ينهبون الذهب نهباً، ويجنِّدون الفيلق تلو الفيلق ليزيدوا عدد جند والي مصر، وليدخلوا إلى جيشه عنصراً فيه من الميزات والقوة ما يحتاجه ذلك الجيش. وتفشّى الظلم في البلاد، وكثر الضغط على الأهلين فأوهن القوى وأضعف الأخلاق، وعلى الأخصّ لأن ذلك العهد جاء عقب الحروب الأهلية التي أفنت الرجال، وتوتَّرت فيها علاقات القبائل، وتفرّقت الكلمة. ثم جاءت المهدية لتنقذ الناس من فوضى الأخلاق ومن ظلم الحُكام، فكان لها ما أرادت في عهدها الأول، ولكن الجهل قعد بنيّتها، وقضى في عهدها الأخير بأن تكون مثاراً للتفرُّق القبلي من جديد، وكان ضغط القائمين بالأمر سبباً في ضعف الأخلاق بعد أن بدأت تقوى، فساد الدسّ، وكثر الرياء، وخفَّتْ أحلام الرجال إلا الذين وُهِبوا قوّة في الإيمان وصبراً على الشدائد، وعرفوا أن ما قُدّر سيكون، ولن تصيبهم من مصيبة إلا بإذن الله… وهكذا ترى كيف تجمَّعت العوامل واتَّحدت لتجعل من هذه الأمة طعمة سائغة لكل غازٍ وكل مجتاح، ولتورّثها وهناً في الأخلاق وتفرُّقا في الكلمة، وهي حكومة مغلوبة على أمرها، والحاكم، مهما حسنت نياته، فليس من الخير له أن ينبّه الأمّة إلى ضعفها فتقوّيه، وإلى تفريق الكلمة فيها لتعمل على اتّحادها!
ومستوى المعيشة ونوعها وملذات الحياة ومطامعها، هل تلك مما يساعد على قيام حياة اجتماعية سعيدة؟ لا، فإن الفقر المدقع وجفاف الحياة حتى قارب الكفاف أو هي حياة الكفاف بعينها، وفقدان الجمال الطبيعي والصناعي وعدم التفات الناس إلى النزر اليسير الباقي منه لأنهم في شغل عنه بحاجيات الأكل والشراب واللبس المتواضع، وما تبدهنا به الظروف من الأزمات المالية والأخلاقية، وما نقاسيه من كبت الأفكار لخوفنا حتى من أنفسنا ولفقدان الثقة حتى في الصديق الخلوص بل والأخ الشقيق، ولانعدام روح التعاون وروح التضحية وروح الإقدام بين الشباب، كل تلك العوامل فرادى ومجتمعة لا تزال تعمل على اضطراب الحياة الاجتماعية عندنا وجعلها تعسة غير موفَّقة، لا تنتج سوى الخراب عاجلاً أو آجلاً.
غير أن لهذا الشعب فضائله التي توارثها والتي لولاها ما احتمل عقابيل تلك الأدواء دون أن يفنى، ولأقمنا على جدثه مناحة. فإن الأريحية الروحية الفذّة والصبر على الشدائد حتى يكاد ليكون حجباً وتبلداً في الشعور ورضاءً بالذل، وإن ما تكنّه الصدور من الشجاعة الخلقية والمحافظة على الأغراض وإراقة الدم في سبيل حمايتها، كل تلك الفضائل لاتزال عاملة على مقاومة الأمراض الاجتماعية التي تجتاحنا، وأصبحت تهدِّد مجتمعنا، على أن هذه الفضائل – بدورها – أخذت في النقصان والتدهور، ويُخشى عليها من الانقراض.
فالشبّان لا تجد عندهم من الأريحية والإباء ما عند آبائهم وأجدادهم، فهم يحجمون حتى عن مساعدة ذوي القربى، وقليل منهم يفكّر في أن له من الأعراض ما يجب أن يصان، والتقاليد الصالح منها وغير الصالح بدأنا نطرحها جانباً، ولا ننظر إليها إلا كبعض العاديات في زوايا المتاحف.
والآن، بعد أن استعرضنا ما لهذه الأمّة وما عليها، ورأينا العوامل التي اتَّحدت لتعمل على انهيار ركنها، والعوامل التي أخذت تقاوم حتى ضعفت، أو كادت تعجز عن أداء وظيفتها فَلْنرَ: ما هي طريق الإصلاح؟ وما المثل الأعلى الذي يحقّ علينا أن نضعه لحياتنا الاجتماعية ونتبعه؟ والأسرة، في نظري، هي نواة الحياة الاجتماعية، فإذا كان نظام الأسرة مما يساعد على التعاون وفهم الواجبات قبل المطالبة بالحقوق، وكان مما يدعو إلى المساواة ورفع مستوى الحياة والتسامي بالمشاعر إلى المثل العليا والترفُّع عن الدنايا والمطامع الشخصية، فنحن – لا شكّ- سنظفر بحياة اجتماعية سعيدة تكفلها حياة سياسية مزدهرة.
والأسرة قوامها المرأة، والمرأة كما أسلفنا جاهلة، وفي حاجة إلى التعليم لتعرف واجباتها، ولتعرف كيف تربّي أطفالها وتغرس في نفوسهم حبّ بلادهم وحبّ الخير للإنسانية عامّة. وأنا عندما أقول بتعليم المرأة لا أريدها أن تعمل في الأسواق أو تدخل ميدان الوظائف الكتابية، ولكني أريدها زوجاً مدبّرِة وأمّاً تعني بتربية الطفل، وترعى جسده وروحه، وتتكفّل بغذائه الجسمي والعقلي والخلقي. ولا أريدها سافرة متبّرِجة، ولكني أقول بمحافظتها على تقاليدها المرعية وعلى تقاليد وتعاليم دينها الحنيف، وأريدها ملاكاً يرفرف في جلسات الأسرة وليالي سمرها، يؤثِّر وجودها على الرجال حتى يكفّوا عن هذر القول ولغو الحديث، وحتى يحصروا همّهم في تخيُّر الألفاظ وتنميق العبارات فلا يجرحوا شعورها. ولأضرب لكم مثلاً على قوّة تأثير المرأة في المجتمعات، فإني أتحدث الإنجليزية مع الإنجليز وغير الإنجليز، وأهتمّ في بعض المواقف بلغتي وأصقلها، ولكني ما تحدَّثت إلى سيّدة إنجليزية إلا ورأيت ألفاظي وتعابيري تتسامى، ورأيتني حريصاً في القول مقتصداً في الرأي، وشعرت بأني غير ذلك الرجل الذي يتحدّث مع الرجال أمثاله. وبعد البحث والإستقراء علمت أن للمرأة سلطاناً على الرجال يؤثِّر حتى في محادثاتهم وأعمالهم الأدبية.
وإذا تعلَّمت المرأة وقامت بواجبها، فإلى الشبان أسوق الحديث قبل الكهول والشيوخ: إن شبابنا أخذوا من مدنية الغرب القشور دون اللباب فتفانوا في السكر والميسر والفساد فأنساهم الشيطان ذكر ربهم، وأخذوا يفكّرون في منافعهم الشخصية دون منفعة البلاد، وجعلوا يتبجَّحون بأن لهم حقوقاً، ونسوا أن عليهم واجبات. قال «جوزيف مازيني» عندما كان يدعو أبناء «إيطاليا الفتاة» لتحريرها كلمة إذا أتَّبعناها نجحنا في جميع مقاصدنا. وفحوى تلك الكلمة أن كل الثورات التي قامت نادى زعماؤها بِرّدّ الحقوق، ولكنه يقول لأبناء إيطاليا إن عليكم واجبات. «مازيني» لم يقل ذلك اعتباطاً، ولكنه كان يعلم حقّ العلم أن الرجل الذي يعرف واجباته ويؤديها على وجهها الأكمل سترّد إليه حقوقه غير منقوصة دون أن يطالب بها، ولقد صدّقت الأيام زعمه، فتحرَّرت إيطاليا وغدت ملء العين والأُذن، فواجب الشبّان أن يتّحدوا وينسوا أنفسهم وأن يتعمّقوا في المعرفة وأن تتنزّه اجتماعاتهم عن فضول الكلام وسافله، وأن تكون لهم جماعاتهم المنظّمة لمحاربة الفساد والأمّيّة ولرفع مستوى العلوم والفنون والآداب، وواجب الشبّان أن ينقذوا البلاد من ويلاتها، وأن يرفعوا مستوى الحياة الإقتصادية، ويساهموا في تكوين الأعمال الخيرية التي تخفِّف آلام الفقير وتكفل لأبنائه مستقبلاً زاهراً. وواجب الشبّان أن ينادوا بمحو القبائل، وأن يقولوا إننا سودانيون، لا فرق بين أسودنا وأبيضنا، ولا فرق بين ساكن الشمال وساكن الجنوب!
وأما الكهول والشيوخ، وهم تراث أجيال مضت، فعندهم من الفضائل ما كاد ينقرض في الشبّان، ولهم من الأمراض ما أورثها لهم تعاقب تلك الحكومات الثلاث من دسّ ورياء يسمّونه دهاء، وما عندهم من زعم بأنهم قاموا بواجبهم العام، وبقى عليكم أن يفكّروا في تكاليف العيش، وأن ينشغلوا بأعباء الكبر وخوف الموت عن خدمة بلادهم وإفادتهم بتجاريبهم، فإني أقول لهم: أنتم مسؤولون عن مستقبل البلاد وعليكم أن تكونوا أمثالاً للشبّان، وأن تورثوهم ما عندكم من الفضائل، وأن تتجردَّوا من آرائكم فتعملوا مخلصين لوجه الله والوطن، فإن من بلغ الأربعين أو جاوزها أولى بخدمة بلاده من سواه، وهو خليق أن يكفّ عن الدسّ وعن الرياء، فهو إن عمل في وضح النهار وإن جاهر بالحقّ فلن يصيبه أذى لأن له من السنّ شفيعاً، وإذا أصابه أذى من جرّاء تلك الصراحة، ومن أجل قول الحق فهو نعم الأذى وفيه خير العزاء لمن يطمع أن يرى بلاده متمتّعة بما يرجوه لها من تقدُّم وعمران، فإلى ميدان العمل أيها الكهول والشيوخ، واحملوا علم الجهاد، ولكم من الشبّان خير جند.
أما مستوى المعيشة وملذّات الحياة والالتفات إلى نفحات الجمال وروائعه فهذه من حقّنا إذا قمنا بواجبنا، وستكون موفورة للجميع إذا زال الإنقسام وتمتَّعنا بالثقة فيما بيننا، وسادت بيننا روح التعاون والإخلاص وروح الإقدام والتضحية، وستكون لنا في القريب العاجل منتديات تفي برغائبنا، ونجد فيها مجالاً لتنفيذ خططنا وتحقيق أحلامنا.
والآن، لأُجمل ما فصَّلت فأقول: إن المثل الأعلى للحياة الاجتماعية أن تكون لنا أسرة صحيحة تديرها امرأة متعلِّمة، وأن يعرف الشبّان واجباتهم قبل أن يطالبوا بحقوقهم وأن تتّحد كلمتهم، وأن يفني نظام القبائل، وأن يتقدَّم الكهول والشيوخ إلى ميدان العمل ويحملوا علم الجهاد، وأن يضحّوا بالبقية الباقية من أيّامهم وحياتهم في سبيل الله والوطن، ولكني أراك – أيّها القارئ – تسألني: ما هو المثل الأعلى للحياة السياسية؟ لأن عنوان المقال يدّل على أني سأحدّثك في ذلك الشأن، وجوابي هو أن السياسة لم يأتِ الأوان لنتحدث عنها ما دامت مقدِّماتها من تعليم وحياة أدبية واجتماعية ناقصة، وما دمت أنا مكتوف اليدين حبيس اللسان.
ولو أن المجالَ مجالَ سردٍ
لأطلقت اللسانّ بما يزينُ
ولكنّ اللسانَ له قيوُد
فمهلاً، سوف تطلقه السنون!

المزيد من المواضيع: