مواقف في الزهد والوفاء وأدب الرثاء

قصيدة الشاعر الكبير عبد الله الشيخ البشير في رثاء صديق عمره الأستاذ الشاعر محمود عبد الوهاب القاضي
******************
مواقف في الزهد والوفاء وأدب الرثاء
*******

بقلم: صديق المجتبى

أخلص الأستاذ عبد الله الشيخ البشير في رثاء صديق عمره ورفيق صباه منذ عهد الطلب في المعهد العلمي وحتى التخرح في الأزهر الشريف . كلاهما شاعر مجيد وعالم نحرير وتجمع بينهما صفات الزهد والتعفف والترفع عن الصغائر . كانا لايفترقان وقد حظيت بمجالستهما مرات عديدة فكان مجلسهما ينضح علماً تكاد لا ترتوي منه فتظل في حالة ظمأ دائمٍ لمنهلهما العذب . كانا يتبادلان الذكريات والنكت العلمية ويغوصان في مسائل عويصة في اللغة والنحو والأدب والشعر تالده وطريفه وربما تخلل حديثهما شيءٌ من الأسف والامتعاض مما وصل إليه الأدب من ركاكة واللغة من انحطاط ، وكانا يجيدان فن الدراما في تصوير بعض المشاهد الساخرة في نقدهم لأدعياء الشعر وتصوير بعض الشخصيات النمطية أو المواقف الطريفة التي تحتاج إلى معالحة درامية . كان هزلهما جد وقد اكتسبا خبرة في فن السرد والشرح والتوضيح والقدرة غلى التواصل اللطيف مع الآخر ولا غرو أن يجيدا هذا الفن لأنهما معلمان قديران .
في هده القصيدة التي ألقاها أمامي ارتجالاَ إذ أنه كان كقيفاً ولكنه كان متوقد الذهن حاضر البديهة قوي الذاكرة رغم تقدم سنه ورغم الأسقام التي كان يعاني منها إلا أن فيه شِرَّةَ اللغة وسحر البيان وجزالة السرد وفحولة الشعر وجمال الصورة الفنية وعمق الفكرة وثراء المعرفة واللمح والإحالة إلى مأثورات من التراث العربي والصور القرآنية وهذا يستلزم القارئ أو السامع أن يكون في مستوى الحضور الذهني والمعرفي ليتذوق القصيدة ، لا تظن عزيزي الفارئ أن كل هذه الإحالات المعرفية ستفسد عليك متعة التذوق الشعري ذلك لأنها تفقد كثافتها المادية فتستطيع أن تنبه مراكز الوعي الحمالي التي تحقق اللذة والمتاع.
في هذه القصيدة التي كنت شاهداً مبلادها وحالة الحزن والأسى التي كتبت بها والدموع التي انهمرت من عينيه الكفيفتين وحالة الهياج والسكون والحركة والتأوه والزفرات وسهوم العينين في المجهول لفترة من الزمن لعلّه كان يستدعي خيال محمود ويتأمل فصولاً من حياتهما وذكريات تتداعى عليه من هنا وهناك ، كانت عيناه تجولان وتنقبان في تلافيف الذاكرة لتقتنص اللحظات التي عاشها مع صديقه محمود لكنهما ترنوان في اتجاهك كأنك ترى ما يرى في مخياله وذاكرته ولكنك تستطيع أن تقرأ الدهشة والحرن والتماس العزاء وقراءة سؤاله الحائر هل حقاً مات محمود وهو أي ـ عبد الله الشيخ البشير ـ لايزال على قيد الحياة وقد اقترنت روحاهما طوال العمر ؟ . في هذه القصيدة رثى عبد الله الشيخ البشير نفسه وجيله ودور العلم والمعلم القدير والمربي الجليل وهي في نظري من أروع قصائد الرثاء التي صاغها شاعرنا وأستاذنا عبد الله الشيخ البشير وهي رديفة لقصيدته “المعلم” لقد أجاد أستاذنا فن الرثاء وبلغ فيه شأواً عظيماً وسنفرد بحثاً لهذا الموضوع الذي تفرّد فيه شيخ الشعراء
هذه خواطر وردتني أثناء مراجعتي لتحقيق أجريته على ديوانه لصلتي الوثيقة به وجرصي على تدوين قصائده منه مباشرة أحياناً أو مراجعة المنشور منها لأنه كان يلقيها من الذاكرة بروايات مختلفة خاصة تلك التي كتبها بعد فقدان البصر وخير مثالٍ لذلك قصيدته التي رثى فيها نفسه وودع الحياة وشكر فيها كل الأصدقاء الأوفياء من رحلوا ومن كان على قيد الحياة وقد ألقاها في حفل تكريمه في قاعة الصداقة بحضور رئيس الجمهورية الذي منحه وسام العلم والآداب الذهبي ووجه بتشييد منزل له يليق بمكانته باشراف نائب رئيس الجمهورية الفريق الزبير محمد صالح ومتابعتي حتى اكتمل ولذلك قال في قصيدته :-

للسائلين غداة البين عن داري * لا زال يعرف للآمال مزماري

ولما زاره الفريق الربيرصباحاً في بيته وكنت في رفقته ليبشره باكتمال بنيان البيت وكان على سفر في مهمة تستغرق بضعة أيام خارج البلاد ضحك استاذنا وشكر الرئيس ونائبه وقال لنائب الرئيس بقي القليل من العمر وذكر له حديت النبي عندما تنازع عليه المهاجرون والأنصار أيهم ينزل النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في بيته فقال لهم (هل من سقيفةٍ تناصيني والأمر أعجل من ذلك) رانت لحظة صمت وحزن ولكن النائب قطع ذلك الصمت بدعاء عريض له بطول العمر وأن يمتعه الله بالصحة والعافية ثم أخذه معه ليرى بيته مع علمه أنه لا يرى وكان المهندس يشرح له خارطة المنزل والتصميم والغرف التي احتوى عليها وصلونه الأدبي المجهز بأثاث فخم فشكره الأستاذ عبد الله الشيخ البشير وقال له : ( الأمر أعجل من ذلك) سافر النائب وشدد على ضرورة حضوره مراسم ترحيل الأستاذ إلى بيته الجديد بحضور لفيف من الشعراء والأدباء كافتتاح لصالون الأستاذ عبد الله الشيخ البشير الأدبي .ولكنه توفي بعد خمسة أيام من ذلك الحدث في يوم 19/12/1994 إن لم تخني الذاكرة ودفن بليل دون إبلاغ الجهات الرسمية وكان الأمر أعجل من ذلك
ألا رحم الله استاذنا العالم الزاهد الحافظ للقرآن شيخ شعراء السودان عبد الله الشيخ البشير

 

منهالُ النِّيل

(الفراق الكبير ، في رثاء المُرَبِّي الكبير ، الشاعِر محمود عبدالوهّاب القاضي)

.. وقيلَ لي : ماتَ مَحمُودٌ ، فقُلــــتُ لَهُم
لا تَكْذِبُوا ! هاهُـــــــنا في الدَّارِ مَحْمُــودُ
لا زالَ للدَّرْسِ يَسـعَى ، في حـــــــقِيبتِهِ
فِقْـــــــهٌ و نَحْــــــــوٌ ، وآدابٌ وتـجْويدُ
فَكَيْفَ تَصْـــديقُ نَعْــــيٍ تُرجِفُونَ بــهِ
وهــــا أنا بعــــدَهُ في الـــدَّارِ مــــوجُودُ
إنْ كانَ ماتَ فما لِلنِّيـــــــلِ مُحْتضِناً خُضْرَ الضِّــــفافِ ، ولِلأشــــجارِ تأويـدُ؟
و كيفَ ماتَ ، ودُورُ العِلــــــمِ عامِـــرةٌ
بالدَّارِسِـــينَ ، ولِلأَجْــراسِ تَغْريـدُ؟
و كيفَ ، والمَعْهَــدُ العِلمِيُّ ما ارتَجَفَتْ
مِمَّا ألَمَّ بــــــهِ تِـــــلْكَ “العَـــواميدُ”؟
و كَيفَ باتَتْ خلاوى الذِّكْرِ صـــــادِحةً
عِنْدَ “الكِتَيَّابِ” ، فجْــــــراً ، وهوَ مفْـقُودُ؟
ما لِلصِّحــــــافةِ ما نَثَّتْ لهُ خَبَــــراً
ولا لأنْبــــــائهِ ذَيْــــعٌ وتـــــرْدِيـدُ؟
****
لاهُمَّ ، هَبْــــني الرِّضا ، كُلٌّ لنا أَجَلٌ
في وَعْدِكَ الحَـقِّ ، محْسُـوبٌ ومَرْصـودُ
مَحْمُودُ يَمضِي ولمْ تُــذْكَرْ مَناقِبُهُ؟!
إنَّ العَـــلِيمَ – مِنَ الجُـهَّالِ – مَجْحُـودُ!
مُصِيـــبَةٌ : يَجْهَـدُ البانُونَ في بَلَدي
آهٍ ، و يُنْسَـى لهُم فَضْـلٌ ومَجْهُودُ !
إنَّ الَّذي أوْحَــشـــتْنا أمْسِ غُربَتُـهُ
ودُونَ لُقْـــــــياهُ بيدٌ ، دُونـــــها بِيـــــــدُ
لَشَاعِــــرٌ كانَ يَرْتــادُ البَعيدَ مَدَىً علـى جَناحَيـنِ ، تأصِـيلٌ وتَجْريـدُ
يَغِيْبٌ مَحْـواً إذا ما الشِّعْرُ ساوَرَهُ ويَنْثـنِي وعَلَيْهِ الـــــدُّرُّ مَنْضُــــودُ
حُرُّ المَــذاهِبِ ، لمْ يَرْسُــمْ لهُ أحَدٌ
ماذا يَقُـــولُ ، ولا مَجْـراهُ مَحْــدُودُ
و ما لَهُ غَيْرُ قَولِ الصِّــدْقِ من وَطَـرٍ
وما لَهُ – قَـطُّ – غـيرَ اللهِ مَعْـبُودُ
وعاشَ ، ما حَلَّقَتْ أطْيارُهُ طَمَعَـــاً
لِحـــــــائطٍ يَتَدَلَّــــى منْهُ عُنْــــقُــــــودُ
***
إنَّ الَّذي أوْحَشَتْنا أمْـسِ غُــــرْبَتُهُ
و دُونَ لُـــــــقياهُ بيـــــــدٌ دُونـــــها بِيْــدُ
لَعَالِمٌ ، عالِمٌ أدْنـــــــى بِضـاعَتِهِ
بَحْـــثٌ ، وغَـــــوصٌ ، و ترجِـــــيحٌ وتَفْنِيـدُ
جادٌّ ، يَرَى الوُسْــعَ في ما دَقَّ مأْخَذُهُ
مِــنَ القَــضَايا ، و زَكَّتـــــــهُ الأســـــانِيدُ
عَرَفــــــتُهُ مُنْذُ أيَّامِ الصِّبا فَطِناً
بالعِلْــــــمِ كانَ لهُ عِشـــــقٌ و تَمْجِــــيدُ
أيَّامَ كُـــــنَّا نَرُومُ النّــجْمَ مـَنْزِلةً
ونَحْــنُ – إنْ شئتَ – أنْضــــأءٌ مَجــاهـيدُ
نَظَــلُّ نَبْحَثُ عنْ ثَغْرٍ نَجُوزُ بــهِ
إلَى العُــلا ، و طَريقُ المَـــــــجْدِ مَســــدُودُ
أيَّــامَ مَعْهَــدنا العِلْمِيَّ تُرُهِـقُهُ
ضَــرَّاءُ ، وهوَ عـــلَى الضَّــــراءِ مَحْسُـــودُ
مَحْمُودُ قادَ ، ولمْ نُخْفي السِّلاحَ على
مُسْـــــتَعْمِرينَ لهُــمْ أيْــــدٍ وتــأيِيـــــدُ
سِــلاحُنا الشِّــعْرُ ، رَتَّبْنا فَصائِلَـــهُ
كتائباً ، قادَهـــــا الشُّـــــعْثُ الصَّناديـــدُ
منهُ بَنينا بُيُــــوتاً لا تُظَــــلِّلُنـــــا
ولا بِهِـــــــــنَّ مِن الأَمْـــواهِ مَــــــــــورُودُ
و حَسْـــــبُنا أنَّا صُــنَّا رِســالَتَنــا
فَخــــافَ شَـــوكَتَها عَــــــادٍ وعِــــرْبِيـدُ
******
إنَّ الَّذي أوْحَشَتْنا أمِــسِ غُـــــرْبَته. و دُونَ لُـــــــــــقياهُ بِيْــــــــــدٌ دُونَها بيــدُ
مُعَلِّمٌ ، كانَ مَشْبُوبَ الذَّكـــاءِ ، لهُ
في ســــــاحةِ العِلــــــــْمِ آراءٌ وتَجْـــــديدُ
زانَ الفُصُـــولَ بِما يُلقِيهِ مـن أَدَبٍ
نَفْسـاً و دَرْساً ، و يَمْضِي وهوَ مَنْشُودُ
مِنْ دَرْسِــهِ يَخْرُجُ الطُّلاَّبُ في طَرَبٍ
كأنَّمــا سَمِعُـوا منهُ الأغَـارِيدُ
و نالَ مِنْ عِزَّةِ النَّفْــسِ ما لمْ تَسْـــــــتَطِعْ حَمْلهُ الصُّـــــمُّ الجلامِـيدُ
مَشَى على منْهَجٍ في الفَضْلِ يَعْرِفُهُ
عَنْهُ الأصَاحِبُ ، وهوَ الزُّهدُ والجُودُ
و لَمْ يَحِــدْ عَنْهُ والأيَّـــامُ عابِسَـــةُ
والرِّيـحُ عاصِفَةٌ والرِّزْقُ مَحْـــدُودُ
و عاشَ في النَّاسِ ، كَــنزاً ليسَ يَعْرِفُهُ
إلاَّ الأمــاثِلُ مِنْهُـــــم والأماجِــيدُ
****
مَحْمُودُ ، هـذا فِراقٌ منْكَ ضَعْضَعَني
أمَضَّــنِي ، لا لِقــاءٌ ، لا مَواعِـيدُ
خَمْسُونَ عاماً رَعَينـاهُنّ أسَّسَـها – علَى النَّقاءِ – وفاءٌ فيكَ مَعْــهُـودُ
خَضْراءُ ، زاهِيةُ الألْـوانِ ، عَطـَّرَهـا
طِـيْبُ الأُصًـولِ ، وزانَتْها التَّقاليـدُ
و كُلَّ يومٍ – و ما نَدْري – يُفاضُ لهـــا
مِنْ عَـالَمِ الرُّوحِ تَمْـكينٌ وتَوكـــيـدُ
عَــــذَرْتَني عِندَما الآلامُ قَيَّـــدَني
عِقَـــالُـهُــنَّ ، ولِلآلامِ تَقْـــــــيــــيدُ
تَزُورُني كُلَّ أُســــــبُوعٍ لِتُؤْنِسَــــني
وأنْتَ مِنْ جَــاحِمِ الآلامِ مَمْعُــــودُ
فأَنْظُرُ الكَونَ مِن عَيـــنَيكَ مؤتَلِقاً
نُــوراً ، وتُرْفعُ عَنِّي حُجْـبُهُ السُّـودُ
و مِنْكَ أسْـمَعُ أوْتارَ الحياةِ مُــــنَـىً
تَرِنُّ نَبْضَـاً ، ويَزْهُـو حَولِيَ العِــــيدُ
فكَيْفَ أَسْلُو؟ و هَبـني قد سَلَوْتُكُمو
حِيناً ، فكَيفَ إذا ما عَادَني العِيدُ؟
مَحْمُـــودُ أعْذِرْ شَقِيْقَ الرُّوحِ إنْ وَهَنَتْ
منْهُ القَوافي ، و خانَتْهــا المَقَاليـــدُ
فِراقُكَ الصَّعْـــبُ أوْرَى جــانِبي لَهَــباً
كأنَّمــا شُكَّ في الأضْـلاعِ سَـــــفُّودُ
أسـايَ أكْبَرُ مِنْ دَمْعي و مِنْ قَلَمــي
ولَيْسَ لي عِنْــــدَهُ عَــزْمٌ و مَجْـلُودُ
أضْـحَى نهاريَ مَوثُوقاً بِرُمَّــــــــتِهِ
واللَّيـلُ مُحْلَولِكٌ ، والصَّدْرُ مفْـؤودُ
أطَلْتُ ، لو أنَّ أفْــكاري مُجَمَّــعَةٌ
فَــكَيْفَ ذا ؟ وهيَ أطْيارٌ أبـاديـدُ؟
أخِي ، وَداعـــاً إلَى أنْ نَلْتَفي بِغَـدٍ وأنْتَ في جَنَّــةِ الأبــرارِ مَسْعُــــودُ
تَلْقَـــى التِّجانِيَّ ، إذْ يَلْقاكَ مُنْشَرِحا
مُحَمَّـــدٌ ، والتَّحــــايا والأناشِــــيدُ
تَلْقَـــى الكِتَيّابَ حُفَّاظَ الكِتابِ بِها
لَدَى فَرادِيْــسَ ، فيها الظِـلُّ مَمْدُودُ
و ابشِرْ بِفَـوزٍ ، فَعَفْـو اللهِ مُتَّسِـعٌ
وأنْتَ في سـاحةِ القُرءَانِ مَـولودُ

صديق المجتبى
١٨/٣/٢٠٢١

المزيد من المواضيع: