مـن روائـع العـربـيـة: الطل و الوابل

بقلم: لـحـسـن بـنـيـعـيـش / مكناس -المغرب

إن من البيان لسحرا، فإدراك ذلك السحر يتوجب الحذق بلسان العرب و فصيح كلامهم ومعرفة أسرار مقاصدهم وغاية معانيهم وفرائد أدبهم في الأمثال و الحكم؛ ثم أ ليس في عي اللسان، و رداءة البيان مذمة واضحة، و تأنيبا شنيعا؟ يقول تعالى في هذا المعنى: «أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين»
اُنظر إلى دقائق المعاني: فالمطر الضعيف غير القوي، أضعفه الطل، و أشده الوابل، جاء في الآية 265 من سورة البقرة: «كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل»؛ مثل النفقة في نمائها عند الله، كبستان بمكان مرتفع؛ لأن الشجر فيه أزكى و أحسن ثمرا، فلما أصابه المطر العظيم القطر أصبحت ثمراته ضعفين، فإن لم يصبه غير مطر لين ضعيف يكفيه لكرم منبته، وكما أن كل واحد من المطرين: الوابل أو الطل يضعِّف أكل البستان فكذلك نفقتهم كثيرة أو قليلة بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية زائدة في زلفاهم عنده. وفي هذه المعاني الدقيقة من السحر و الروعة ما لا يخفى…
و ينصرف استعمال الوابل إلى معاني متعددة تفهم من السياق كإفادة السخاء و الكثرة و الغزارة و الشدة و العاقبة و مغبة الأمر. يقول الشاعر :
«هو الجواد بن الجواد بن سبل õ إن ديموا جاد و إن جادوا وبل»
ينفق بسخاء و كثرة و زيادة فهو رجل وابل في العطاء جواد سخي. أما قولهم: «أمطره بوابل من الشتائم»؛ أي سيل منها، ما يفيد الكثرة. ومنه أيضا: «أمطره بوابل من الرصاص»؛ أي طلقات عديدة. و «مدينة تحت وابل من النيران»؛ أي تحت هجوم كاسح لا يبقي و لا يذر. «فأخذناه أخذا وبيلا»؛ أي شديدا. «فذاقوا وبال أمرهم»؛ أي عاقبة و مغبة أمرهم، وهي الخزي في الدنيا و العذاب في الآخرة. و أمام سحر هذه اللغة، و دقة معانيها لا أملك إلا أن أردد مع الشاعر :
«لا تــلــمــنــي فــي هــواهــا õ أنـــا لا أهــــــوى ســـــواهــــا
لــســت وحــدي أفــتــديـــها õ كــلــنـــا الـــيــــوم فـــــداهــــا»
و كــل عــام و لـغـتـنـا الـجـمـيـلـة بـألـف خـيـر.

المزيد من المواضيع: