عماد البشرى يكتب عن رحيل الكابلي: ودعنا حلو الماضي

عماد البشرى يكتب: في رحيل الكابلي.. ودعنا حلو الماضي
استيقظت صباح اليوم على صوت رساله مفجعه من صديقي العزيز والصحافي الشامل عبدالماجد عبدالحميد ينعي الكابلي وجفت كل مقل الاحساس بالحياة للحظات وفقدت اي ذاكرة داخلي الا ذاكرة صوته في العام ٢٠١٠ عندما كنت في صحيفة الوان وكانت لي صفحه اسبوعيه راتبه كل جمعه اذكر اني كتبت مقالا مطولا عنوانه (زمان الناس وحدها تكفي الكابلي) وبعد صلاة الجمعه رن هاتفي فكان الكابلي نفسه يثني علي المقال لا استطيع ان اصف مدى فرحي بهذه المهاتفه ومن يومها وانا اسامره ويسامرني وظل بينا الكثير من الاحاديث والتعليقات ليس على الاغنيات بل على الثقافه السودانيه فقد كنا ننفتح على الروايه والقصه والموسيقى البحته ونحكي عن تاثيرات السيموفنيات الغربيه على تجارب عبدالوهاب والاطرش والسنباطي ونذهب في تاريخ الوجدان السوداني وحكايا ودضحويه وبنونه بت المك وتراثنا الادبي الشعبي كان موسوعيا في كل شي ثم تعمقت العلاقه اكثر عندما اضحى بيننا اصدقاء مشتركين مثل الراحلين عوض احمد خليفة وكمال حسن بخيت وايضا الصديق الشاعر عبدالعزيز جمال الدين اذكر في مرة كنت مع عوض احمد خليفه في منزله وسالته كيف التقى كابلي لاول مرة فاخبرني انه التقاه مع مولانا دفع الله الرضي واهداه وقتها اولى اعماله اغلى من عيني واعقبها بي رائعته كيف يهون عندك خصامي وبعد ان كانت الجلسه بيني وبين الجنرال مترعه بسيرة الكابلي اتصلت عليه واخبرته اننا ذكرناه بالخير ففاجني بفرح طفولي نبيل وهو يقول لي بالحرف الواحد(بالله ياعماد استاذ عوض قال شنو عني )ادركت وقتها مدى احترام وحب كابلي للشاعر الجنرال عوض احمد خليفه ومن عجائب الاقدار اننا في مرة نتسامر فجاة قال لي انك تصلح ان تكون مقدم برامج حواريه لك مقدرة على ربط الاشياء وتوليد اسئله جميلة ولم اولي تعليقه اهتماما حتى التقط صوتي الاستاذ حسين خوجلي واثنى عليه ومن يومها وانا المحاور الذي عرفه الناس المهم تلك قصه اخرى لايتسع مقام الحزن في سردها لكن كان لكابلي تاثير عميق على مشاعرنا الانسانيه وتلطيف لغتنا مع الاخرين كنت دوما اغازله ان اجمل الصور في الاغنيه السودانيه ماذكره (خايفين بايدنا نرجع نسالم نلقاك طيف) فاقول له لو عاد بك الزمان لست اظنك تكتبها مرة ثانيه فيبتسم فيه الطفل ويضحك بصوته العميق ،
ان كابلي لم يكن مجرد فنانا بل كان حالة ثقافيه ومهدي فني منتظر ينظر لدنيا فنيه مختلفه كيف لا وهو يعيد للسودانيين الثقه في فنهم عندماتغنى للعقاد بشذى زهر ولابي فراس الحمداني (اراك عصي الدمع) وتحدى كل عظمه الحان عبدالوهاب عندما صدح بالجندول رائعه على محمود طه المهندس اذكر في مرة تبادلت معه الحديث عن اغنيه احبها جدا له وهي رائعه الدكتور حسن عباس صبحي (ماذا يكون حبيبتي) وقلت له لي احساس خفي ان هناك ابيات انت الذي كتبتها فضحك واختبر فراستي وذكرت له الابيات وصدق ظني وكانت فعلا من صنعه وهي (بعض الوعود قد تلاشت وانطوت بعض البراعم في اكمتها زوت) فسالني لماذا هذه الابيات دون غيرها فكانت اجابتي اني لاحظت احتفاء كابلي بالزهور لكن ليست على شاكله شعراء الحقيبه بل على شاكله القصور والتاريخ القديم للانسان العربي وهذا مذهب لم يذهب له الا كابلي فقط ، رغم انه فنان مقتدر الا انه منح العديد من الفنانين اغنيات مثل ترباس في بريدك وزاهيه لابوداوؤد وجبل مرة لعركى وهو بهذا يعلى من شان الصداقه كيف لا وهو الحفي جدا بعلاقته بوردي وزيدان الذي قال لي انه تعلم من كابلي سلامه اللغه والنطق .
رحل الكابلي لكن ابقى دروسا في القيم والحب النبوي في رائعة محمد المهدي المجذوب (ليلة المولد) والتي كان صديقي خالد فتح الرحمن الاديب والدبلوماسي يحتفي بها جدا ومواقف في تاملات الجمال في (الجندول ) وجغرافيه خاصه للمكان في رائعتيه (كسلا ومروي) ودروسا في التسامح والغفران في كيف يهون ان كابلي الذي عرفت لم يكن مجرد شاعر او فنان بل حاله من الوجد والمعرفه وليس ذلك بغريب فكابلي احد ابناء المواني بحكم النشاة في بورتسودان ودوما انسان المواني مختلف وهو قطعا حفيد للافغاني الشجاع تتملكني عبارة للمثلة اليونانيه ميلينا ميركوري (ان الانسان يعرف عمره بقدر ماقدم من اعمال خالدة ) وهنا فقط نتعزى انه ان رحل الجسد فان الاعمال تبقى واظنه الكابلي سيعيش طويلا جدا ربما لقرون لان اعماله هي الخالدة وهي الباقيه له الرحمه والمغفرة
من دفتر قديم

ستظل ياكابلي برحيلك جرح دنيانا الذي لايندمل ويامن نسيت القلب ينزف في انين رحلت فماذا يكون بعدك من امل ماذا يكون .

شتاء 2021

27 ديسمبر

المزيد من المواضيع: