وداعا فتانا النبيل

وداعا فتانا النبيل

بقلم: أمين بابكر عبد النبي مصطفى

كان صيف 1982 صيفا مختلفا في حياة ثلة طيبة من رفقاء الطفولة والصبا والشباب حيث كنا نعد الشهور والأيام والدقائق والثواني بعد إعلان نتائجنا الباهرة – كانت كذلك- في امتحانات الشهادة المتوسطة وذلك استشرافا للالتحاق بمدرسة بحري الثانوية الحكومية منتقلين إليها من متوسطات شتى. ولما كانت ثانوية بحري عروسا متوجة بين رصيفاتها الثانويات ليس في بحري فحسب بل على مستوى ولاية الخرطوم والسودان قاطبة، كنا نعدها الشقيقة الصغرى لجامعة الخرطوم.

ذلك بسبب تميزها وتميز خريجيها فكان من المألوف جدا ان يكون بين خريجيها من يذاع في قائمة أوائل السودان فضلا عن سبقها ورفدها للجميلة ومستحيلة وصويحباتها سنويا بالشباب الغض المتوثب للغد الزاهر.

وكان التميز اكثر حضورا في قبول ذلك العام إذ كان المتاح قبول طلاب لثلاثة فصول وفق النظام الذي كان متبعا حيث كانت المدرسة تقبل في سنة ثلاثة فصول وفي التي تليها ستة فصول وفي الثالثة سبعة فصول وهكذا دواليك.

في تلك الاجواء التقينا وتعارفنا وتآخينا وكانت سانحة لتجديد الوشائج لمن درسوا معا المرحلة المتوسطة او الابتدائية.

كان من بين هذه النجوم الزواهر فتى نبيل حيي في وقار قليل الحديث مرتب التفاصيل طلق المحيا لا تكاد الابتسامة تفارق شفتيه كل ذلك برغم ما يكتنف عادة هذه المرحلة من شقاوة وتمرد على الثوابت.

كنا نلتقيه في زمرة من التحقوا ببحري من الحلفايا وشمبات.

وكانت ثانوية بحري بحق بوتقة جمعت الشباب المتميز من كل ارجاء المدينة الجميلة.

بمرور الوقت توثقت عرى الصلات وتعرفنا على اصدقائنا الجدد اكثر واكثر ووجدنا في فتانا النبيل رفيقا طيبا ودودا لطيفا سمح الخصال يميل للاستماع والإنصات لكنه يجود بالدرر عندما يتحدث ويعبر عن نفسه في أدب جم.

وكانت التفاصيل الاجتماعية حاضرة فهو ينتمي لاسر كبيرة معروفة في شمبات والحلفايا منها اسرة مكوك العبدلاب والاسر العريقة في شمبات.

مضت السنون وآن أوان الانتقال للجامعة فكان ان سافر فتانا النبيل لينهل من العلوم في الجامعات الاوربية في مجال الطب البشري وسنحت له سوانح نال من خلالها معارف وعلوم وخبرات في كبريات المدن والعواصم الأوربية.

كان قدرنا ان نلتحق بجامعة الخرطوم وكنا نشكل مجموعة طيبة من رفقاء بحري الثانوية.

وبالتأكيد التحق بعض من رفقائنا  بجامعات أخرى داخل وخارج السودان.

اكملنا الدراسة الجامعية والتحق بعضنا بسلك التدريس الجامعي منذ بداية سلمه فيما انخرط آخرون قي سوح العمل المهني والديواني.

ودارت الايام والسنون دورتها والتقينا مجددا في جامعة النيلين التي التحقت بها محاضرا في مطلع الالفينات بعد تجربة ليست قصيرة في التدريس في جامعات في المنطقة العربية.

ما مضى وقت طويل حتى التحق فتانا النبيل بجامعة النيلين كلية الطب.

وقد كان لنهج إدارة جامعة النيلين حينها – وهو نهج حافظت عليه إدارات الجامعة المتعاقبة- بإتاحة الفرصة للشباب بالمشاركة في الإدارة الاكاديمية عبر المواقع التي تتناسب مع خبراتهم ومؤهلاتهم كان لهذا النهج الحصيف أثره في تفتق وبروز مواهب الشباب الإدارية فكانت الإسهامات المتعددة الثرة تترى من كل مفاصل الجامعة.

كان من ذاك ان تعرفنا على وجه جديد لفتانا النبيل تمثل في قدرات إدارية فذة

جعلته ينتقل في سلاسة ولطف ليصبح نائبا لعميد كلية الطب ثم عميدا للكلية ثم نائبا لمدير الجامعة.

كان يتسم فتانا النبيل ببشاشة وطلاقة وجه وابتسامة لا تفارقه في احلك الظروف.

تشاركنا الهم الإداري في فترة كان فيها نائبا للعميد ثم عميدا لكلية الطب كنت خلالها عميدا لكلية الهندسة ثم انتقلت امينا للشؤون العلمية ثم عين نائبا للمدير وكانت هذه الفترة سانحة للتقارب والتشاور فكان دائما حاضر الحكمة والهدوء قوي الحجة عميق النظر لا يجرح أحدا كان نبيلا مهذبا في كل تفاصيله له القدرة على التواصل و السجال مع الآخرين بمختلف مستويات أفهامهم.

كانت فترة عمادته لكلية الطب عامرة بالإنجازات والإسهامات غير المسبوقة وشهد ويشهد له معاصروه بالنجاح والقدرة على التعاطي مع المشكلات والتعقيدات التي لا تخلو منها الجامعات الكبيرة حيث كان حاضر الحكمة والهدوء والحصافة.

لفتانا النبيل إسهامات مهنية مقدرة تتصل بالإدارة الطبية والأكاديمية. فالرجل مشهود له ببذل أسباب التطوير والنجاح للمؤسسات الطبية وللمستشفيات التي كانت تخدم برامج كلية الطب.

للفتى النبيل إسهامات في مؤسسات علمية  مهنية عديدة جدا – خارج إطار جامعة النيلين – كانت بصمته داائما حاضرة وكان اثره كبيرا فالرجل يحسن إدارة الملفات المعقدة ويجيد لغة التطوير والتجويد والنجاح.

زرته معزيا في وفاة والده عليه رحمة الله ظهر  الخميس الموافق 25 نوفمبر وكانت جلسة لا انساها حدثني خلالها عن تفاصيل وفاة الفجاءة لوالده الذي كان حينها معهم ولأيام سعيدا بنجاح حفيدته ابنة نبيلنا العزيز وكانت تفاصيل عبرة الموت حاضرة كان يسترسل في الحديث – على خلاف عادته- عن والده وعن الموت وكانت ملامح الحزن و الإرهاق تكسو وجهه الصبوح.

كانت سانحة للقاء عدد من منسوبي النيلين الفضلاء الذين لا يتأخرون عن تلبية نداء الواجب فهذا ديدنهم وهذه شيمتهم.

لكنها – وبقلب يعتصره الألم – كانت لحظة وداع مثلت السطر الأخير في الصفحة الأخيرة لكتاب الصلة الجميلة والصحبة الطيبة الطويلة – والتي ما خلت من آصرة القربى من تلقاء اهلنا العبدلاب الفضلاء – ذلكم الكتاب الذي خططنا فيه سطر الصلات الجميلة الأول في صيف 1982.

قبل نحو من اربعين عاما.

 

ألا رحم الله أخانا الجميل وفتانا النبيل بروفيسور طارق عباس البخيت رحمة واسعة واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة رفقة المصطفى عليه الصلاة والسلام وسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا بقدر ما كان جميلا ونبيلا في مخبره وفي مظهره وبقدر ما كان مبذولا للناس بذلا من وقته وعلمه وخبرته وماله.

اللهم آمين اللهم آمين اللهم آمين.

 

لا حول ولا قوة إلا بالله

إنا لله وإنا إليه راجعون

 

أمين بابكر عبد النبي مصطفى

كلية الهندسة جامعة النيلين.

10 ديسمبر 2021.

المزيد من المواضيع: